وقيل: الأماني: الأكاذيب هاهنا، وقد بيَّنَّاه في قوله تعالى:{لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ}(١)؛ أي: قل: يا محمد؛ أقيموا حجَّتكم على دعواكم إنْ كنتُم صادقين فيها، ولم يقل (٢): براهينَكم، والخطاب للجمع، ولا بُرْهَانَيْكم على التثنية، وهم فريقان؛ لأنَّ الدَّعوى كانت واحدةً، وهي نفيُ دخول غيرهم الجنَّة، والحجَّةُ على تلك الدَّعوى واحدةً.
وقال الإمام أبو منصور رحمه اللَّه: دلَّت الآية على أنَّ النَّافي عليه الدَّليل، ولا يقال: إنَّهم أثبتوا الدُّخولَ لأنفسهم، فطولبوا بالبرهان عليه؛ لأنَّا نقول: ليس كذلك، بل نَفَوا دخولَ غيرهم صريحًا، وثبت دعواهم دخولَ أنفسهم دلالةً، والبرهانُ يُطْلَبُ على صريح الدَّعوى دون الدلالة، فإنَّ مَن قال: لا نكاح إلَّا بشهود؛ لا يقال له: لِمَ قلتَ: إنَّ النِّكاح يجوز بالشُّهود؟ بل يقال له: لِمَ قلت: إنَّه لا يجوزُ إلَّا بالشُّهود (٣)، ولذلك ردَّ اللَّه على هؤلاء نفيَ دخول غيرهم، لا دعواهم دخولَهم، حيث قال تعالى:{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي: بل يَدخلُ هؤلاء الذين أسلموا، الذين ينفون دُخولَهم (٤).
(١) هنا نهاية السقط في النسخة (ر)، وكانت بدايته عند قوله السابق: "كنسخ التوجه إلى بيت المقدس". (٢) في (أ): "يقبل". (٣) في (أ): "بشهود". (٤) انظر "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥٤١).