رفع اللَّهُ تعالى فوقَهم الجبلَ، فقَبِلوها خوفًا، وقالوا: سمعنا وأطعنا، فلما زايل الجبلُ وآمنوا، قالوا: عصينا، وهو كقوله:{ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ}[البقرة: ٨٣]، وكان التولِّي بعد ذلك بأوقات (١).
وقيل: قالوا: سمعنا عبارةً، وعَصَينا معاملةً، وهي كقوله:{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ}[التوبة: ١٧]، وهي شهادةُ فعلٍ، لا شهادةُ قول.
وقيل: قال آباؤهم: سمعنا، وقال أبناؤهم: عصينا، وبشؤم عصيانِهم تمكَّنَ حبُّ ذلك العجلِ في قلوبهم، فلم يَزُل، وهو قولُه تعالى:{وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} يقال: أُشْرِبَ الصَّبغُ في الثَّوب، وشُرِّبَ فيه؛ أي: تمكَّنَ، وهاهنا مضمرٌ وهو (٢) حبُّ العجل، كما في قوله تعالى:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا}.
يقول: رَسَخ حبُّ العجلِ في قلوبهم بفعلِهم، لا أنَّ غيرَهم فعلَ ذلك بهم، وهذا كما يقال: ذهبَ بي الفكرُ كلَّ مذهبٍ، وقال (٣) تعالى: {لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ}[المنافقون: ٩]، وقال تعالى:{وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}[الجاثية: ٣٥].
ويجوز أن يقال: اللَّهُ تعالى أَشربَ في قلوبهم، وذلك (٤) إثباتُ التخليقِ (٥) مِن اللَّه تعالى.
(١) "تأويلات أهل السنة" (١/ ٥١٢). (٢) بعدها في (أ): "قوله". (٣) في (ر): "وكقوله"، وفي (ف): "قال". (٤) في (أ): "ذلك وهو" وفي (ف): "ذلك". (٥) في (ف): "للتخليق".