للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

والذي ذكرناه بَدِيًّا كأنَّه تعلُّقٌ منهم بمذهب الجبر؛ أي: قلوبُنا في غلافٍ، وهي ممنوعةٌ عن الفهمِ جبرًا، وكذلك كانوا يقولون: {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزخرف: ٢٠]، وهو تعلُّق بمذهب الجبريَّة، وفيهم ذلك.

فكذَّبهم اللَّهُ تعالى في الوجوه الثلاثة، وذلك قولُه تعالى: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ}؛ أي: ليس كما قالوا: إنَّهم مجبورون معذورون، بل بعَّدَهُم (١) اللَّهُ عن تفهُّمِها؛ جزاءً لهم على كفرِهم.

واللَّعنُ: الطَّردُ والإبعاد لغةً، فقد أثبتَ اللَّعنَ مِن نفسِه، والكفرَ منهم، وهو مذهبُ أهل السُّنَّة والجماعة، وهو جوابُ كلامِهم أيضًا على القول الثَّاني: إنَّ قلوبَنا أوعيةٌ؛ فلو كان كلامُك صدقًا حقًّا لفهمناه. قال: بل أنتم ملعونون بكفرِكم، لستم بعلماء، ولو كنتم كذلك لقبلتم هذا وعملتُم به.

وهو جوابُ كلامِهم أيضًا على القول الثَّالث: إنَّ قلوبَنا أوعيةٌ للعلوم، فلا حاجةَ لنا في علمك. قال: لستم بعلماءَ مستغنين عن هذا، بل أنتم ملعونون مطرودون عنه بشؤمِ كفرِكم.

وقوله تعالى: {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} له خمسةُ أوجه:

أحدها: فبقليلٍ ممَّا في (٢) كتابكم تؤمنون، ونصب "قليلًا" بنزع الباء، و {مَا} مع {يُؤْمِنُونَ} مصدر؛ أي: إيمانهم بقليلٍ، وهو معنى قولِ الكلبيِّ: لا يؤمنون إلَّا بقليلٍ ممَّا في أيديهم، ويكفرون بما وراءَه.


(١) في (ر) و (ف): "يعذهم".
(٢) في (ف) و (أ): "في" بدل من "كتبتم منه".