إلا حياتُنا القُرْبى؛ أي: هذه التي نحن عليها {نَمُوتُ وَنَحْيَا}؛ أي: يموتُ بعضُنا ويحيَى بعضُنا، ثم يموتُ أولئك ويحيى آخرون على ما هو موجود في المُشاهدة، لا يتغيَّرُ الأمرُ عن ذلك، ولا تنقضي الدنيا، ولا تَفْنى ولا يحيَى مَن مات.
{وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}: أي: وما يُهْلِكُ الناسَ إِلَّا طولُ العمُرِ وكَرُّ الدَّهْرِ، فذلك هو الذي يُفْنِينا، دون مَن تَذْكُرونه مِن اللَّه الذي يُحيي ويُميت.
وهذا جُحودٌ للصانع، وأهلُ الجاهليَّةِ كانوا أصنافًا: منهم هؤلاء، ومنهم مَن يُثْبِتُ الصَّانِعَ ويُنْكِرُ البعثَ والثَّوابَ والعقابَ، ومنهم مَن يشُكُّ في البعث ولا يقولُ بالإنكار قَطْعًا.
وقيل:{نَمُوتُ وَنَحيَا}؛ أي: نموتُ بأنفُسِنا، ونحيى بأخلافنا (١) وآثارنا، فتأخيرُ ذِكْرِ الحياة عن ذِكْر الممات لهذا: أنه الحياةُ معنًى بعد الموت حقيقةً ببقاء (٢) الذِّكْر، يقولون: لا حياةَ بعد الموتِ إلا هذا.
وقيل: أرادوا نحيى ونموتُ إذا انتهَتْ أعمارُنا، والواوُ للجَمْعِ لا للتَّرْتيب.
وقيل: القائلون بهذا كانوا قائِلين بالتَّناسُخِ، وأرادوا: يموت الرجل منَّا، فتُجْعَلُ روحُه في مَواتٍ فيحيَى.
وقولُه تعالى:{وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}: أي: هو قولٌ يقولونه بأهوائهم ظنًّا لا عِلْمًا.