فقد قال ابنُ عباس رضي اللَّه عنهما: هو أَخْذُ ميثاقِ ذرِّيّة آدمَ؛ حين أخرجَ الذرِّيّة كأمثالِ الذَّر وقال لهم:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}[الأعراف: ١٧٢](١).
ونقضُ هذا العهد: هو الجحودُ بعد الإقرار، والنفورُ بعد الاستقرار، ومِن حيث المعاملةُ فيه رؤيةُ الأغيار، مع التفريد والتوحيد في الإقرار.
وقيل: العهد هو حَلفُ (٢) مشركي العرب حين ضلَّلهم اليهود والنصارى وسفَّهوهم بعبادة الأصنام المنحوتة والأنصاب الموضوعة، كما أخبر اللَّهُ تعالى عنهم بقوله عزَّ وعلا:{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ}؛ أي: اليهودِ والنصارى {فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ}؛ أي: محمدٌ {مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا}[فاطر: ٤٢] فنَقْضهم ميثاقَهم هو النُّفورُ والكفورُ، وإبطالُ القَسَم المذكور.
وقيل: هو ميثاقُ اللَّه تعالى على أهل الكتاب؛ قال اللَّه تعالى:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ}؛ أي: بالقول {وَلَا تَكْتُمُونَهُ}[آل عمران: ١٨٧]؛ أي: بالفعل، ونقضُهم ما قال:{فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ}؛ أي: كتموا صفَةَ محمد عليه الصلاة والسلام وفَسقوا ونَقضوا العهدَ {وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}؛ أي: عَرَض الدُّنيا {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}[آل عمران: ١٨٧] كتموا الحقَّ لأجل العَرَض اليسير مِن الكِرباس والشعير، وأَوقعوا أنفسَهم بذلك في السَّعير.
(١) ذكره الواحدي في "الوسيط" (١/ ١١٠) من طريق عطاء عن ابن عباس، وذكره غيره دون عزو. انظر: "تفسير أبي الليث" (١/ ٦٤)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ١٧٣)، و"تفسير السمعاني" (١/ ٦٢)، و"تفسير البغوي" (١/ ٧٧). (٢) في (أ): "خَلْفُ"، وفي هامش (ف): "الحلف بسكون اللام". والذي في "القاموس": حَلَف يَحِلِفُ حَلْفا -ويكسر- وحَلِفًا ككَتِف.