وقوله تعالى:{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: قال الفراء: أي: أجدبَ البرُّ وانقطعت مادةُ البحر بذنوبهم، كل ذلك ليذوقوا الشدةَ بذنوبهم في العاجل (١).
ويتصل هذا بقوله تعالى:{يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} وبقوله: {ثُمَّ رَزَقَكُمْ}، وضِيقُ الرزق بشؤم المعصية، قال تعالى:{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ} الآية [الأعراف: ١٣٠]، وسعةُ الرزق بالإيمان والطاعة؛ قال تعالى:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}[الأعراف: ٩٦]، وعلى هذا الفسادُ بمعنى عقوبة الفساد؛ كجزاء السيئة يُسمى سيئةً.
وقيل:{ظَهَرَ الْفَسَادُ}؛ أي: غلب أهلُ الفساد؛ كما قال تعالى:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}[يوسف: ٨٢]؛ أي: أهلَ القرية {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أ}[الأعراف: ٤]؛ أي: أهلِ قرية، {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}؛ أي: بسبب معاصي الناس، وهو كقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا غضب اللَّه على قومٍ سلَّط اللَّه عليهم شرارَهم في البر والبحر"(٢).
قيل: هما على ظاهرهما؛ البرُّ: المفازة، والبحر: موضع (٣) الماء الكثير.
وقال مجاهد:{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}: ما في البر فهو قتلُ ابنِ آدم أخاه، وما في البحر فهو جُلندَى الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبًا (٤).
(١) انظر: "معاني القرآن" للفراء (٢/ ٣٢٥). (٢) لم أقف عليه. (٣) في (ر) و (ف): "البر المفاوز والبحر مواضع". (٤) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٧٧٦١)، رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥١٢).