ما قبله وما بعده:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين}، {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}، {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ} الآية؛ أي: قالوا: ما هذا الروح؟ أي: القرآنُ الذي سمِّي (١) روحًا، ومَن آتاك هذا وأنزله عليك؟ فإنَّا نراه مبايِنًا لضروب الكلام من الشعر والأساجيع والخطب، فقال: هو من أمر ربي أنزله إليَّ، ولو تدبَّرتُموه لحَيِيْتم به من موت الجهل، ولكنْ لقلةِ علمكم تركتُم ذلك وقلتُم مِن أين جاء؟ ومَن جاء به؟ وهو قوله:{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}.
وقيل: لمَّا قال: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ولم يفسِّر قالوا: إنه لم يعلم، فنزل:{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}.
وقيل: سمع النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اليهودَ يقولون: علمُ كلِّ شيء في التوراة، فقرأ عليهم هذه الآية:{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} فقالت اليهودُ: نحن مخصوصون (٢) بهذا الخطاب أو أنتم معنا فيه؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بل نحن وأنتم، ولم نُؤت من العلم إلا قليلًا"، قالوا: ما أعجَب شأنك! تارةً تقول: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}[البقرة: ٢٦٩]، وتارةً تقول:{وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}، فأنزل اللَّه تعالى قوله ردًّا عليهم:{وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ}[لقمان: ٢٧](٣)، فبيَّن لهم أن علوم الخلائق تتلاشى في علم اللَّه تعالى.
* * *
(١) في (أ): "يسمى". (٢) في (ف): "مخصصون". (٣) رواه بنحوه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٧٢) عن عطاء بن يسار مرسلًا.