وعلى هذا قوله:{فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ}[التوبة: ٢٨] هو على جميع الحرم، وكذا قوله:{وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}[الفتح: ٢٥].
وقوله تعالى:{إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى}: وهو مسجد بيت المقدس؛ لأنَّه أبعدُ مسجد في الأرض يعظَّم بالزيارة له وشدِّ (١) الرحال إليه، وليس وراءه في تلك الجهة متعبَّدٌ مثلُه، قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ: مسجدي هذا، والمسجد الأقصى، والمسجد الحرام"(٢).
وقوله تعالى:{الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}: أخبر عن نفسه بعد ما ذكر الفعلَ على وجه المغايَبة بقوله: {أَسْرَى بِعَبْدِهِ}، وهو أحدُ أقسام التوسُّع (٣) في الكلام.
والبركة: دُرور الخير وثبوتُه؛ لأن ما بَرَك (٤) ثبت، وهو يكون دينيًّا ودنيويًّا، قال تعالى في صفة عيسى عليه السلام:{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا}[مريم: ٣١] وهذا دينيٌّ، وقال
= البيت بينَ النَّائم واليقظان. . . "، وكذأ رواه مسلم (١٦٤). وفيهما من حديث أبي ذر رضي اللَّه عنه: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل"، وفي غير الصحيحين روايات أُخر، وقد أورد الروايات بذلك الحافظ في "الفتح" (٧/ ٢٠٤) محاولًا الجمع بينها لأنها كما قال: لم تتعدد لأن القصة متحدة لاتحاد مخرجها، قال: وقد تقدم في أول بدء الخلق بلفظ: "بينا أنا عند البيت" وهو أعم، ووقع في رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة"، وفي رواية الواقدي بأسانيده أنه أسري به من شعب أبي طالب، وفي حديث أم هانئ عند الطبراني أنه بات في بيتها قال: ففقدتُه من الليل فقال: "إن جبريل أتاني. . . "، والجمع بين هذه الأقوال أنه نام في بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنه. (١) في (أ): "ويشد". (٢) رواه البخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧)، من حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه. (٣) في (ر) و (ف): "التوسعة". (٤) في (أ): "بورك".