السُّؤْلِ، وهي الحقُّ، ومَن دعا اللَّهَ وسألَه فهو على حقيقةٍ مِن دعوَتِه؛ لأَنَّه يدعو مَن لا يعجزُه شيءٌ، ولا يلحقُه بخلٌ، ولا تنقضه عطيَّةٌ.
وقيل: للَّهِ دعوةُ الخَلْقِ إلى الحقِّ، ولمن دعا إليه بأمرِه، وليس ذلك لغيره مِن الأصنام؛ قال تعالى:{لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ}[غافر: ٤٣](١).
وقيل: للَّهِ دعوة (٢) الرُّبوبيَّة، فله عليه البراهين الباهرة.
وقوله تعالى:{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ}: يعني: الأصنام، وجمع بالواو والنُّون وهي جماد لأنَّ المشركين وضعوها موضعَ الأحياء العقلاء الذين يضرُّون وينفعون، ويستجيبون للَّذين يدعون، فأُضِيْفَ الخبر عنهم إليها كما يُضاف إلى العقلاء، كما في قوله:{وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}[يوسف: ٤]، وقوله:{ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ}[النمل: ١٨].
ويحتمل: أنَّه أراد به الملائكة وعُزيرًا والمسيح والجنَّ؛ لأنَّهم لا يستجيبون لعابدِيهم بشيءٍ، ولا ينفعونهم إلَّا بأمرِ اللَّهِ، فأمَّا أنْ ينفعوهم مِن عندهم فلا.
وقوله تعالى:{إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاه}: قيل: {إِلَّا} بمعنى: لكن؛ أي: لا يستجيبون لهم أصلًا، لكنَّهم كمادِّ يدَيْهِ إلى الماء ليبلُغَ الماءُ فمَه {وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ}؛ أي: ليس يبلغُ الماءُ فمَهُ.
وقيل: هو على حقيقةِ الاستثناءِ، والمعنى (٣): لا يستجيبون لهم بشيءٍ إلَّا كما يُستَجابُ لِمَن بسطَ كفَّيْهِ إلى الماء؛ أي: فإذا كان لا يُستجابُ لهذا الباسطِ بشيءٍ،
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ٣٢١). (٢) في (أ): "دعوى". (٣) في النسخ الثلاث: "ومعنى"، ولعل الصواب المثبت.