ووجهٌ آخرُ: أنَّ الكفَّار كانوا صنفَيْنِ: قوم منهم ينكرون الصَّانع، ومنهم مَن كان يُثْبِتُ الصَّانع وينكر البعث، فاحتجَّ على منكرِي الصَّانع بهذه الآيات الدَّالة على قدرته ووحدانيتِه، ثمَّ قال لنبيِّه: وإنْ تعجبْ مِن إقامة هؤلاء على الإنكارِ مع قيام الدَّلائل على إثباته ووحدانيته وقدرتِه، فاعجَبْ مِن الذين يقرُّون بالابتداءِ، ثمَّ يُنكرون الإعادة ويقولون:
{أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}: قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عَمرو وعاصم وحمزة بالاستفهام فيهما جميعًا، إلَّا أنْ عاصمًا وحمزة يهمزان همزتين، وقرأ نافعٌ والكِسائيُّ بالاستفهام في الأوَّل والخبر في الثَّاني، إلَّا أنَّ الكسائيَّ يهمز همزتين، وقرأ ابنُ عامر على الخبرِ في الأوَّل والاستفهام في الثَّاني رواية (١).
وقال الإمامُ أبو منصورٍ رحمَه اللَّهُ: قيل: وإنْ تعجَبْ مِن قولِهم: {هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ}[ق: ٢] يعنونَ بعثَكَ رسولًا، فاعجَبْ أيضًا مِنْ قولِهم:{أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا}(٣).
ثمَّ العَجَبُ منَّا (٤) يكونُ بظهورِ ما لم يكن في الوَهْم، ولا يجوز ذلك على اللَّهِ تعالى، فإنْ حُمِلَ على الحقيقةِ فهو على تعجُّبِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ أي: وإنْ تعجَبْ مِن إنكارِهِم رسالتَك فتعجَّبْ مِن إنكارِهِم البعثَ أيضًا، وإنْ تعجَبْ مِنْ إنكارِ بعضِهم الصَّانعَ فتعجَّبْ مِنْ إنكارِ المقرِّيْنَ به البعثَ.