للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقال بعض أهل التفسير: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}؛ أي: ظهر لهم شركُهم، فقد قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: ٤٨].

وقال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك: أي: بعد ما ماتوا على شركهم فقد إنقطع رجاءُ صيرورتهم وكونِهِم (١) أهلًا للمغفرة (٢).

وقال عليُّ بن أبي طالب رضي اللَّه عنه: رأيت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أليس قد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك؟ فذكرت ذلك للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فنزلت هذه الآية (٣).

وقال الحسن: أُتي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقيل له: إن فلانًا يستغفر لآبائه وهم مشركون؟! فقال: "ونحن نستغفر لهم" فنزلت هذه الآية، فأمسَكوا عن الاستغفار (٤).

وقال سعيد بن المسيب [عن أبيه] (٥): لمَّا حضرت أبا طالبٍ الوفاةُ دخل عليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وعنده أبو جهل وعبد اللَّه بن أبي أمية فقال: "يا عم، قل: لا إلهَ إلا اللَّهُ، كلمةً أحاجُّ لك بها عند اللَّه" فقالا له: يا أبا طالب، أترغبُ عن ملة آبائك، فلم يزالا به حتى قال آخرَ ما كلَّمهم به: هو على ملَّة عبد المطلب، فقام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من عنده باكيًا وقال: "لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك" فنزلت هذه الآية (٦).


(١) "وكونهم" من (ف).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٢٩) عن الضحاك.
(٣) رواه النسائي (٢٠٣٦)، والترمذي (٣١٠١) وقال: حديث حسن.
(٤) الخبر مروي في "تفسير مجاهد" (ص: ٣٧٥).
(٥) ما بين معكوفتين من الصحيحين وكتب السنة.
(٦) رواه البخاري (٣٨٨٤)، ومسلم (٢٤)، من حديث المسيب بن حزن رضي اللَّه عنه.
قال الواحدي في "البسيط" (١١/ ٧٤): واستبعده الحسين بن الفضل؛ لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولًا، ووفاة أبي طالب كانت بمكة في عنفوان الإسلام. =