وهذه معاتبةٌ للمؤمنين، حيث قيل لهم:{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} فتباطؤوا فعُوتبوا على ذلك، وهو وجه النَّظم؛ أي: ما السببُ الذي يدعوكم إذا قال لكم الرسول: اخرجوا في الجهاد في سبيل اللَّه، تثاقلتُم عنه إلى الإقامة بأرضكم لبلوغ الثمار وطلبِ (١) الظلال، وتعبِ الخروج لشدة الحر.
وقوله تعالى:{أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ}: أي: بدلًان الآخرة ونعيمِها الخالد الذي لا يَبيد.
وقوله تعالى:{فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ}: لأن هذا منقطِعٌ وذاك باقٍ، وهذا كلُّه تقريعٌ وتعجيبٌ من سوء الاختيار.
وقال مجاهد: أُمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وبعد الطائف وبعد حُنينٍ، أمروا بالنَّفير في الصَّيف حين أَثمرت النخيل وطابت الثمارُ واشتهَوا الظِّلالَ، فشقَّ عليهم الخروجُ فاعتلُّوا فقالوا: فينا الثقيلُ وذو الحاجة وذو الضَّيعة والشغل، فنزلت الآية (٢).
وقال الكلبي: إن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقام بالمدينة بعد (٣) مرجعِه من الطائف، فأمر بالجهاد لغزوة الروم حين طابت ثمار المدينة وأَينعت، فعظُمت على الناس غزوة الروم -وقال قتادة: لغزوة تبوك قبَل الشام (٤) - وذلك في زمانِ عسرةٍ من الناس، وجَدْبٍ من البلاد، وشدةٍ من الحر، وأحَبُّوا الظلالَ والمقامَ في ثمارهم، وكان النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قلَّما يخرج في غزوة إلا كنَى عنها إلا غزوةَ تبوك؛ لبُعدِ شُقَّتها وكثرة العدوِّ،
(١) في (أ): "وطيب". (٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٦٠). (٣) "بعد" ليست في (أ)، وتحرفت في (ر) إلى: "بيد". (٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٤٦١).