وقال ابنُ عبَّاس رضي اللَّه عنهما:{وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ}؛ أي: نُبيِّنُ الآياتِ في القرآن، في كلِّ وجهٍ نَدعوهم بها ونُخوِّفُهم، {وَلِيَقُولُوا} يعني: أهلُ مكَّة حين تقرأ عليهم القرآن: {دَرَسْتَ} يقولون: تَعلَّمتَ مِن يسار أبي فُكيهة، وجبرٍ مولى قريش، وقرأت علينا، تَزعُمُ أنَّه مِن عند اللَّه (١).
وقال الإمام أبو منصور رحمه اللَّه: واختلافُ القراءات (٢) لاختلافِ أقوال (٣) الكفَرة لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ من قال:{إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ}[النحل: ١٠٣]، فهو تأويل {دَرَسْتَ}، ومنهم من قال:{إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}[الأنعام: ٢٥]، فهذا تأويل {درسَتْ} بالسكون، ومنهم من قال:{مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى}[سبأ: ٤٣] فهذا تأويلُ {دَرَسْتَ} بالفتح (٤).
ثمَّ معنى الكُلِّ عند بعضهم أنَّ فيها إضمارَ: لا، وتقديرُه: وكذلك نُصرِّفُ الآيات لئلَّا يَقولوا دارلسْتَ أهلَ الكتابِ، أو (٥) أخذت منهم، أو هذه أخبارٌ قد مضَت، إذا تأمَّلوا في الآياتِ وعرَفوا الدِّلالات، وهذا الإضمارُ كما في قوله:{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا}[النساء: ١٧٦]، وقوله:{شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ}[الأعراف: ١٧٢]، وقوله:{أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ}[المائدة: ١٩].
وقيل: هو بغيرِ إضمار، وهو بيان العاقبة؛ أي: صرَّفنا الآياتِ، فعاندَ بعضهم، وقالوا ذلك، وصارَ بيانًا للعالمين، وذلك قوله تعالى:{وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}؛
(١) انظر: "التفسير البسيط" للواحدي (٨/ ٣٣٨، ٣٤٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٧٥). (٢) في (أ): "القراءة". (٣) في (ر): "أقاويل". (٤) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٤/ ٢٠٤). (٥) في (أ): "أي". وفي (ف): "و".