وهذا حالُ مَن لم يُذنِب، ويَعلمُ أنَّ اللَّه تعالى يَعلَمُ منه أنَّه لم يُذنِب، فكيف حالُ مَن غرِقَ في الذُّنوب إذا خاطَبه بالعِتاب علَّامُ الغيوب؟!
وقوله تعالى:{أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، وإنَّما خاطبَ بذلكَ عيسى دون النَّصارى؛ لأنَّهم في غاية البغضِ عند اللَّه؛ لغاية فحشِ ما تَكلَّموا به، قال تعالى:{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}[الكهف: ٥]، وقال تعالى:{تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا}[مريم: ٩٠]، وهذا كقولِه تعالى: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: ٨ - ٩]، ولأنَّ عيسى عليه السَّلام أصدقُ النَّاسِ كلِّهم عند النَّصارى، فألزمَهم كذبَهم بقولهم، ثمَّ عذَّبَهم.
وقوله تعالى:{قَالَ سُبْحَانَكَ} نزَّهَ اللَّه تعالى عن كلِّ سوءٍ أوَّلًا، ثمَّ قال:{مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ}؛ أي: ما يَنبغي لي أنْ أقولَ ذلك، وهو ظاهرُ البطلان، وقد قلتُ في الصِّغرِ:{إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ}[مريم: ٣٠]، فكيف أقول بخلافه في الكِبَر؟
وقوله تعالى:{إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} وهذا اعتذارٌ حسنٌ واضح.
وقوله تعالى:{تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي}؛ أي: في ذاتي، {وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ}؛ أي: في ذاتك (١).
وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي اللَّه عنهما: تَعلمُ ما في غيبي، ولا أعلمُ ما في غيبِك (٢).
(١) قوله: "أي في ذاتك": من (ر). (٢) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ١٢٢).