قوله تعالى:{أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}: الألفُ ألفُ استفهامٍ (١) بمعنى التوبيخ، وهو في الحقيقة داخلٌ في قوله تعالى:{انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}؛ لأن تقديره: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات أو قتل.
وإنما جاز لأنه دخل (٢) الشرطَ فصار كلُّه كلامًا واحدًا بشرطه وجزائه (٣)، فصار دخول الاستفهام في أوله دخولًا في الخبر المذكور فيه، وهو كقولك: أزيدٌ ضربك أم عمرو، وهو في الحقيقة داخلٌ في الضرب وإن ذُكر ظاهرًا في زيد؛ لأن الكلام (٤) صار شيئًا واحدًا.
والانقلاب على العَقِبَين مجازٌ عن الردَّة، وقد كشفنا عن حقيقته في قوله تعالى:{وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ}.
وقيل: هو مجازٌ عن الانهزام هاهنا؛ كما في قوله تعالى:{نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ}[الأنفال: ٤٨] ومَن انقلب على عقبيه فقد رجع إلى الطريق الذي كان جاء منه، والمنهزِم كذلك صورةً والمرتدُّ كذلك معنًى.
وفيه استنكار كلِّ واحدٍ من الأمرين عليهم، يقول: موتُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أو قتلُه لا يوجب الارتداد ولا التخلُّفَ عن الجهاد.
ثم إنما أُدخل (٥)(أو) بين الموت والقتل وهو للتشكيك، مع أن اللَّه تعالى علم أنه يموت ولا يقتل، إخفاءً لعاقبته؛ ليكون قتاله الكفارَ من غيرِ تَوَقٍّ دليلًا على كمال
(١) في (أ): "الاستفهام". (٢) في (أ): "دخله". (٣) في (ر): "وجوابه". (٤) في (أ): "الكل". (٥) في (ر): "دخل".