ونظمٌ آخر: أنَّه جمعَ بين سؤالاتٍ سألَها الصَّحابة رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأخبرَ اللَّهُ تعالى عن ذلك بقوله عزَّ وعلا:{يَسْأَلُونَكَ}{وَيَسْأَلُونَكَ}، قال ابنُ عباس رضي اللَّه عنهما: ما رأيتُ قومًا كانوا خيرًا من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ما سألوهُ إلَّا عن ثلاثَ عشرةَ مسألة، قص (٣) كلها في القرآن، ما كانوا يسألونَه إلَّا عمَّا ينفعُهم (٤) وينفعُ المسلمين.
قوله تعالى:{يَسْأَلُونَكَ} أي: يا محمَّد {عَنِ الْخَمْرِ} وهو النِّيءُ مِن ماء العنب إذا غلا واشتدَّ وقذفَ بالزَّبد، سُمِّيَت بها؛ لأنَّها تُخامِرُ العقل؛ أي: تغطِّيهِ.
وقوله تعالى:{وَالْمَيْسِرِ} أي: القمار.
وقال القتبيُّ: الميسر: الجزور، سمِّيَ ميسرًا؛ لأنَّه يُجَزَّأ أجزاء، وكلُّ شيءٍ جزَّأتَه فقد يَسَرْتَه، والياسِرُ: الجازر؛ لأنَّه يُجزِّئُ لحمَ الجَزور (٥)، وكان المتقامرون يَشترون جزورًا يَضمنونَ ثمنَه، ولا يُؤدُّونه؛ ليظهرَ بالقمار أنَّه على مَن يجب، فيضربون
(١) في (ر): "حرمتها. . . عنها". (٢) في (ر): "فيحصل لهم" بدل: "فتحصل آلة". (٣) في المصادر: "حتى قبض" بدل: "قص". (٤) أخرجه الدارمي في "سننه" (١٢٧)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢٠٥٣)، والطبراني في "الكبير" (١٢٢٨٨). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١٥٩): فيه عطاء بن السائب، وهو ثقة لكنه اختلط، وبقية رجاله ثقات. (٥) انظر: "الميسر والقداح" لابن قتيبة (ص ٢٨).