وهذا أيضًا هو العدل المذكور في قوله تعالى:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}[الأنعام: ١]، أي يعدلون به غيرَه في العبادة التي هي المحبّة والتّعظيم. وهذا أصحُّ القولين (١).
وقيل: الباء بمعنى «عن»، والمعنى: ثمّ الذين كفروا بربهم يعدلون إلى عبادة غيره. وهذا ليس بقويٍّ، إذ لا تقول العرب: عدلتُ بكذا أي عدلتُ عنه، وإنّما جاء هذا في فعل السُّؤال، نحو: سألتُ بكذا أي عنه، كأنّهم ضمَّنوه: اعتنيتُ به واهتممتُ ونحو ذلك.
وقال تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}[آل عمران: ٣١]. وهذه تُسمّى آية المحبّة. قال بعض السّلف (٢): ادّعى قومٌ محبّة الله، فأنزل الله آية المحبة {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي}.
وقال:{يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} إشارةً إلى دليل المحبّة وثمرتها وفائدتها. فدليلها وعلامتها: اتِّباع الرّسول - صلى الله عليه وسلم -. وفائدتها وثمرتها: محبّة المرسل لكم. فما لم تحصل المتابعة فلا محبّتكم له حاصلةٌ، ومحبّته لكم منتفيةٌ.
وقال تعالى: {(٥٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: ٥٤]. ذكر لهم أربع علاماتٍ:
(١) انظر: «تفسير البغوي» (٢/ ٨٤). (٢) انظر: «تفسير الطبري» (٥/ ٣٢٥)، وابن أبي حاتم (٢/ ٦٣٣)، و «الدر المنثور» (٣/ ٥٠٨، ٥٠٩).