تحمل كلّ منهما من كلّ فارس صقرا، ويحمي الممالك ممّن يتخرّق أطرافها بإقدام، ويتحوّل أكنافها بأقدام، وينظر في مصالح القلاع والحصون والثّغور، وما يحتاج إليه من آلات القتال، وأمّهات الممالك التي هي مرابط البنود ومرابض الأسود، والأمراء والعساكر والجنود، وترتيبهم في الميمنة والميسرة والجناح الممدود، ويتفقّد أحوالهم بالعرض، بما لهم من خيل تعقد ما بين السّماء والأرض، ومالهم من زرد موضون، وبيض مسّها ذهب ذائب فكانت كأنها بيض مكنون، وسيوف قواضب، ورماح بسبب دوامها من الدّماء خواضب، وسهام تواصل القسيّ وتفارقها فتحنّ حنين مفارق وتزمجر القوس زمجرة مغاضب.
وهذه جملة أراد أمير المؤمنين بها إطابة قلوبكم، وإطالة ذيل التّطويل على مطلوبكم، ودماؤكم وأموالكم وأعراضكم في حماية إلاّ ما أباح الشّرع المطهّر، ومزيد الإحسان إليكم على مقدار ما يخفى منكم ويظهر.
وأمّا جزئيّات الأمور فقد علمتم أنّ من بعد عن أمير المؤمنين غنيّ عن مثل هذه الذكرى، وأنتم على تفاوت مقاديركم وديعة أمير المؤمنين، وكلّكم سواء في الحق عند أمير المؤمنين، وله عليكم أداء النّصيحة، وإبداء الطّاعة بسريرة صحيحة، فقد دخل كلّ منكم في كنف أمير المؤمنين وتحت رقّه، ولزمه حكم بيعته وألزم طائره في عنقه، وسيعلم كلّ منكم في الوفاء بما أصبح به عليما ﴿وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اَللّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (١).
هذا قول أمير المؤمنين، وقال: وهو يعمل في ذلك كلّه بما تحمد عاقبته من الأعمال، وعلى هذا عهد إليه وبه يعهد، وما سوى هذا فجور لا يشهد به عليه ولا يشهد، وأمير المؤمنين يستغفر اللّه على كلّ حال، ويستعيذ به من الإهمال، ويسأل أن يمدّه لما يحب من الآمال، ولا يمدّ له حبل الإمهال.
ويختم أمير المؤمنين قوله بما أمر اللّه به من العدل والإحسان، والحمد للّه وهو من خلق أحمد وقد آتاه اللّه ملك سليمان، واللّه يمتّع أمير المؤمنين بما وهبه، ويملّكه