للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وفي سنة ثمان وأربعين خرجت الغزّ على السّلطان سنجر، وأسروه، وأذاقوه الذّلّ، وملكوا بلاده، وبقّوا الخطبة باسمه، وبقي معهم صورة بلا معنى، وصار يبكي على نفسه، وله اسم السّلطنة، وراتبه في قدر راتب سائس من ساسته.

وفي سنة تسع وأربعين قتل بمصر صاحبها الظّافر باللّه العبيدي، وأقاموا ابنه الفائز عيسى صبيّا صغيرا، ووهى أمر المصريّين.

فكتب المقتفي عهدا لنور الدين محمود بن زنكي، وولاّه مصر، وأمره بالمسير إليها، وكان مشغولا بحرب الفرنج وهو لا يفتر من الجهاد، وكان تملّك دمشق في صفر من هذا العام، وملك عدة قلاع وحصون بالسّيف وبالأمان من بلاد الرّوم، وعظمت ممالكه، وبعد صيته؛ فبعث إليه المقتفي تقليدا، وأمره بالمسير إلى مصر، ولقّبه «بالملك العادل»، وعظم سلطان المقتفي، واشتدّت شوكته، واستظهر على المخالفين، وأجمع على قصد الجهات المخالفة لأمره، ولم يزل أمره في تزايد وعلوّ إلى أن مات ليلة الأحد ثاني ربيع الأوّل سنة خمس وخمسين وخمسمائة.

قال الذّهبي (١): كان المقتفي من سروات الخلفاء، عالما، أديبا، شجاعا، حليما، دمث الأخلاق، كامل السّؤدد، خليقا للإمامة، قليل المثل في الأئمّة، لا يجري في دولته أمر - وإن صغر - إلاّ بتوقيعه، وكتب في خلافته ثلاث ربعات، وسمع الحديث من مؤدّبه أبي البركات بن أبي الفرج بن السّيبيّ.

قال ابن السّمعاني: و [أظنّ أنه] سمع «جزء» ابن عرفة مع أخيه المسترشد، من أبي القاسم ابن بيان، روى عنه أبو منصور الجواليقي اللّغوي إمامه، والوزير ابن هبيرة وزيره، وغيرهما.

وقد جدّد المقتفي بابا للكعبة، واتّخذ من العقيق تابوتا لدفنه؛ وكان محمود السّيرة، مشكور الدّولة، يرجع إلى دين وعقل، وفضل ورأي وسياسة. جدّد معالم الإمامة، ومهّد رسوم الخلافة، وباشر الأمور بنفسه، وغزا غير مرّة، وامتدّت أيّامه.

وقال أبو طالب عبد الرّحمن بن محمد بن عبد السّميع الهاشمي في كتاب «المناقب


(١) تاريخ الإسلام ٣٨/ ١٧٢.

<<  <   >  >>