للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقال عبد اللّه بن صالح الجرميّ: لمّا قتل عليّ أرجف النّاس ببغداد إرجافا شديدا، وندم الأمين على خلعه أخاه، وطمع الأمراء فيه، وشغّبوا جندهم لطلب الأرزاق من الأمين، واستمرّ القتال بينه وبين أخيه، وبقي أمر الأمين كلّ يوم في الإدبار لانهماكه في اللّعب والجهل، وأمر المأمون في ازدياد إلى أن بايعه أهل الحرمين وأكثر البلاد بالعراق؛ وفسد الحال على الأمين جدّا، وتلف أمر العسكر، ونفدت خزائنه، وساءت حال النّاس بسبب ذلك، وعظم الشّرّ، وكثر الخراب والهدم من القتال ورمي المجانيق والنّفط، حتّى درست محاسن بغداد وعملت فيها المراثي، ومن جملة ما قيل في بغداد (١): [من الوافر]

بكيت دما على بغداد لمّا … فقدت غضارة العيش الأنيق

أصابتها من الحسّاد عين … فأفنت أهلها بالمنجنيق

ودام حصار بغداد خمسة عشر شهرا، ولحق غالب العباسيّين وأركان الدّولة بجند المأمون، ولم يبق مع الأمين يقاتل عنه إلاّ غوغاء بغداد والحرافشة، إلى أن استهلّت سنة ثمان وتسعين، فدخل طاهر بن الحسين بغداد بالسّيف قسرا، فخرج الأمين بأمّه وأهله من القصر إلى مدينة المنصور، وتفرّق عامّة جنده وغلمانه، وقلّ عليهم القوت والماء.

قال محمد بن راشد (٢): أخبرني إبراهيم بن المهدي أنّه كان مع الأمين بمدينة المنصور، قال: فطلبني ليلة فأتيت، فقال: ما ترى طيب هذه اللّيلة، وحسن القمر وضوءه في الماء؟ فهل لك في الشّراب؟ قلت: شأنك، فشربنا، ثم دعا بجارية اسمها ضعف، فتطيّرت من اسمها، فأمرها أن تغنّي، فغنّت بشعر النّابغة الجعدي (٣): [من الطويل]


(١) من قصيدة لبعض فتيان بغداد في الطبري ٨/ ٤٥٧ ومروج الذهب ٤/ ٢٨٣ وكامل ابن الأثير ٦/ ٢٧٣؛ وهما في تاريخ الإسلام ١٣/ ٥٠ حيث هذه الأخبار السابقة واللاحقة.
(٢) الخبر والأبيات في: تاريخ الطبري ٨/ ٤٧٧، مروج الذهب ٤/ ٢٦٦، كامل ابن الأثير ٦/ ٢٨١، الهفوات النادرة ١٠، تاريخ الإسلام ١٣/ ٥٥، مختصر تاريخ دمشق ٢٣/ ٣١٠ - ٣١٢.
(٣) ديوانه ١٤٣.

<<  <   >  >>