لقد كان كفوا للعداة ومعقلا … وركنا لهذا الدّين، بل أيّما ركن
هكذا وقفت عليه، ثم رأيت بعد ذلك أنّ المزنيّ ﵀ لمّا دفن، مرّ رجل على قبره، وإذا بهاتف يقول … فذكر البيتين.
وقال آخر:
[البسيط]
للّه درّ الثّرى ما ضمّ من كرم … بالشّافعي حليف العلم والأثر
يا جوهر الجوهر المكنون من مضر … ومن قريش ومن ساداتها الأخر
لمّا توفّيت ولّى العلم مكتئبا … وضرّ موتك أهل البدو والحضر (١)
ولآخر:
[البسيط]
أكرم به رجلا ما مثله رجل … مشارك لرسول اللّه في نسبه
أضحى بمصر دفينا في مقطّمها … نعم المقطّم والمدفون في تربه
ومناقب الشّافعيّ ﵀ كثيرة، قد صنّف الأئمّة فيها عدّة مصنّفات (٢)، وله في «تاريخي الكبير المقفّى» ترجمة كبيرة (٣).
ومن أبدع ما حكي من مناقبه: أنّ الوزير نظام الملك، أبا عليّ الحسن بن عليّ بن إسحاق، لمّا بنى المدرسة النظاميّة ببغداد، في سنة أربع وسبعين وأربع مائة، أحبّ أن ينقل الإمام الشّافعي من مقبرته بمصر إلى مدرسته، وكتب إلى أمير الجيوش بدر الجمالي - وزير الإمام المستنصر باللّه معدّ - يسأله في ذلك، وجهّز له هديّة جليلة. فركب أمير الجيوش في موكبه، ومعه أعيان الدّولة ووجوه المصريين من العلماء وغيرهم، وقد اجتمع الناس لرؤيته. فلمّا نبش القبر، شقّ ذلك على الناس وماجوا، وكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، وهمّوا برجم أمير الجيوش والثّورة به، فسكّتهم، وبعث يعلم الخليفة أمير المؤمنين المستنصر بصورة الحال. فأعاد جوابه بإمضاء ما أراد نظام الملك، فقرئ كتابه بذلك على الناس عند القبر، وطردت العامّة والغوغاء من حوله، ووقع الحفر حتى انتهوا إلى اللحد. فعندما أرادوا قلع ما عليه من اللبن، خرج من اللحد رائحة عطرة أسكرت من حضر فوق القبر حتى وقعوا صرعى، فما أفاقوا إلاّ بعد
(١) الموفق بن عثمان: مرشد الزوار ٤٩٥ - ٤٩٦. (٢) انظر الكتب المصنّفة في مناقب الإمام الشّافعي، فيما تقدم ٣٦٩ - ٣٧٠ هـ ٢. (٣) المقريزي: المقفى الكبير ٣٠٩: ٥ - ٤١٩.