بعد ذلك من نصف الليل أو النقص منه أو الزيادة عليه، فدلَّ ذلك على أن المراد بالليل المستثنى بعضُ أجزاء الليل، لا بعض الليالي.
فإن قيل: لم قيَّد النقص من النصف بالقلة فقال: ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ وأطلق في الزيادة فقال: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ ولم يقل «قليلًا»؟
فالجواب: أن الزيادة تحسن فيها الكثرة؛ فلذلك لم يقيدها بالقلة، بخلاف النقص، فإنه لو أطلقه لاحتمل أن ينقص من النصف كثيرٌ.
﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ الترتيل: هو التمهل والمد وإشباع الحركات وبيان الحروف، وذلك مُعينٌ على التفكر في معاني القرآن، بخلاف الهذِّ الذي لا يفقه صاحبه ما يقول، وكان رسول الله ﷺ يُقطِّع قراءته حرفًا حرفًا، ولا يمرُّ بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمرُّ بآية عذاب، إلا وقف وتعوَّذ (١).
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ هذه الآية اعتراض بين آيات قيام الليل. والقول الثقيل: هو القرآن، واختلف في وصفه بالثِّقَل على خمسة أقوال: أحدها: أنه سمي ثقيلًا؛ لِمَا كان النبي ﷺ يلقاه من الشدة عند نزول الوحي عليه، حتى إن جبينه ليتفصَّد (٢) عرقًا في اليوم الشديد البرد، وقد كان يثقل جسمه ﷺ بذلك حتى إنه إذا أُوحي إليه وهو على ناقته بركت به، وأوحي إليه وفَخِذه على فخذ زيد بن ثابت فكادت أن تَرُضَّ فَخِذَ زيد، والثقل على هذا: حقيقة.
(١) أخرجه أحمد (٢٣٢٤٠)، وأبو داود (٨٧١)، والنسائي في الكبرى (١/ ٣٦١)، وابن ماجه (١٣٥١). (٢) في ب، ج، هـ: «يتفصد».