﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ﴾ أي: من فرعون وقومه، ولذلك جمع ضمير الخطاب بعد أن أفرده في قوله: ﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ﴾ (١).
﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ معنى ﴿عَبَّدْتَ﴾: ذلَّلت واتخذتهم عبيدًا، فمعنى هذا الكلام: أنك عددت نعمةً عليَّ تعبيدَ بني إسرائيل، وليست في الحقيقة بنعمة، إنما كانت نقمة؛ لأنك كنت تذبح أبناءهم، ولذلك وصلتُ أنا إليك فربيتني.
فالإشارة بقوله: ﴿تِلْكَ﴾ إلى التربية.
و ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾:
في موضع رفع عطف بيان على ﴿تِلْكَ﴾.
أو في موضع نصبٍ على أنه مفعول من أجله.
وقيل: معنى الكلام: تربيتك نعمةٌ عليَّ؛ لأنك عبَّدت بني إسرائيل وتركتني.
فهي في المعنى الأول: إنكار لنعمته.
وفي الثاني: اعترافٌ بها.
﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ لما أظهر فرعون الجهل بالله فقال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؟ أجابه موسى بقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فقال: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾؟ تعجبًا من جوابه، فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ لأن وجود الإنسان وآبائه أظهرُ
(١) هذه الآية ﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ بعد ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ﴾ وليست قبلها، فلو قال: «جمع ضمير الخطاب مع إفراده في قوله .. » لاستقامت العبارة، كما هي عبارة الكشاف (١١/ ٣٣٩)