للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الأدلة (١) عند العقلاء وأعظم البراهين؛ فإن أنفسهم أقرب الأشياء إليهم فيستدلون (٢) بها على وجود خالقهم، فلما ظهرت هذه الحجة حاد فرعون عنها، ونسب موسى إلى الجنون مغالطة منه، وأبدى الازدراء والتهكُم في قوله: ﴿رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾ فزاد موسى في إقامة الحجة بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾؛ لأن طلوع الشمس وغروبها آية ظاهرة لا يمكن أحدًا جحدها، ولا أن يدعيها لغير الله، ولذلك أقام إبراهيم الخليل بها الحجة على نمرود، فلما انقطع فرعون بالحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلُّب فهدَّده بالسجن، فأقام موسى عليه الحجة بالمعجزة، وذكرها له بتلطُّف؛ طمعًا في إيمانه، فقال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ والواو واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام، وتقديره: أتفعل بي ذلك ولو جئتُك بشيء مبين؟.

وقد تقدَّم في «الأعراف» (٣) ذكر العصا واليد، و ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ و ﴿أَرْجِهْ﴾ و ﴿حَاشِرِينَ﴾.

فإن قيل: كيف قال أوَّلًا: ﴿إِنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ﴾، ثم قال آخِرًا: ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؟

فالجواب: أنه لايَنَ أوَّلًا طمعًا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة وبَّخهم بقوله: ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾.


(١) في ب، ج، د، هـ: «دلالة».
(٢) في أ، ب، هـ: «يستدلون».
(٣) انظر (٢/ ٣٧١، ٣٧٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>