ليس أحدٌ منهم يتمنَّى الموتَ إذا قيل له: تمنَّ الموتَ، فكيف وجهُ الاحتجاج على اليهودِ بذلك؟
قلنا: إنَّ المؤمنين لم يجعلوا لأنفسِهم مِن الفضل والمرتبةِ (١) عند اللَّه ما جَعلت اليهود ذلك لأنفسِهم؛ لأَنَّهم ادَّعَوا أنَّهم أبناءُ اللَّه وأحباؤه، وأنَّ الجنَّةَ خالصةٌ لهم، و (٢) الإنسانُ لا يكرهُ القدومَ على أبيه (٣) وحبيبه، ولا يَخافُ انتقامَه بالمصير إليه، بل يرجو وصولَهُ إلى محابِّه (٤)، فقيل لهم: تمنَّوا ذلك، فلمَّا لم يتمنَّوهُ ظهرَ كذبُهم في دعاويهم. ولأنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهى عن تمنِّي الموت، قال:"لا يَتمنَّى أحدُكم الموتَ لضُرٍّ نزلَ به، ولكن ليقل: اللهمَّ أحيِني ما كانت الحياةُ خيرًا لي، وتوفَّني إذا (٥) كانت الوفاةُ خيرًا لي"(٦).
وقال خبابُ بنُ الأرتِّ رضي اللَّه تعالى عنه: لولا أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهانا أن ندعوَ بالموت لدعوت به (٧).
وقال قائلٌ (٨):
لولا بناتِي وسيِّئاتِي... لذُبْتُ شَوْقًا إلى الممات (٩)
(١) في (ر): "والمزية". (٢) في (أ): "وأن". (٣) لفظ: "أبيه" ليس في (ف)، وفي (ر): لفظ الجلالة "اللَّه" بدل: "أبيه". والمثبت موافق لما في "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (١/ ٥١٣). (٤) في (ر): "حبيبه". (٥) في (ف): "ما". (٦) رواه البخاري (٦٣٥١)، ومسلم (٢٦٨٠) من حديث أنس رضي اللَّه عنه. (٧) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٣/ ١٥٣). (٨) في (ر) و (ف): "مقاتل". (٩) البيت لأبي الحسن، منصور بن إسماعيل التميمي المصري الضرير، كما في "معجم الأدباء" (٦/ ٢٧٢٤).