فَأَوْلَى} "، فقال أبو جهل لعنه اللَّه: أتخوِّفني، وما بين لابَتَيْها أعزُّ ولا أكرمُ منِّي؟! فنزل:{ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}[الدخان: ٤٩](١).
وقال قتادة: ذُكِرَ لنا أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ لكلِّ أمَّةٍ فرعون، وفرعون هذه الأمَّة أبو جهل بن هشام"، فأخذه النَّبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال:{أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى}، فقال أبو جهل: ما تستطيع أنت يا محمَّد ولا ربُّك بي شيئًا؛ لأنِّي أعزُّ مَن بينَ جبليها (٢)، فلمَّا كان يوم بدر أشرفَ على الكفَّار فقال: لا يُعبَد اللَّه -تعالى- بعد هذا اليوم. فضُرِبَ عنقُه، وقتلَه اللَّهُ شرَّ قتلة (٣).
وقوله تعالى:{أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى}: {الْإِنْسَانُ} هو أبو جهل ها هنا، {أَنْ يُتْرَكَ سُدًى}؛ أي: مهملًا لا يُؤمَر ولا يُنهَى، ولا يُثاب ولا يُعاقب، وهو استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ.
{أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى}: قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم بياء التَّذكير صفةً للمنِّي، والباقون بتاء التَّأنيث صفةً للنُّطفة (٤).
(١) ذكره بنحوه عن الحسن ابن أبي زمنين في "تفسيره" (٥/ ٦٦ - ٦٧). وروى معناه الطبري في "تفسيره" (٢٣/ ٤٣٦) عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما، وفيه: (فأوحي إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يأتي أبا جهل، فيأخذه بيده في بطحاء مكة فيقول له: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} فلما فعل ذلك به رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال أبو جهل: واللَّه لا تفعل أنت وربك شيئًا. فأخزاه اللَّه يوم بدر). وسيأتي نحوه عن قتادة أيضًا. (٢) في (أ): "لابتيها". (٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣٤١٦)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٦١) و (٢٣/ ٥٢٥). (٤) كذا عزا ابن مجاهد في "السبعة في القراءات" (ص: ٦٦٢) القراءة بالياء {يُمْنَى} إلى حفص وابن عامر، وعزاها الداني في "التيسير" (ص: ٢١٧) إلى حفص وحده. وذكر ابن الجزري في "النشر" (٢/ ٣٩٤) أنها قراءة حفص ويعقوب، واختلف فيها عن هشام. وهشام هو أحد راويي ابن عامر.