مِن تلك القُلَب، فغَرَزَه فيه، فجاشَ (١) بالرِّواء (٢) حتى ضرَبَ الناسُ عليه بعَطَنٍ (٣).
فلما اطمأنَّ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أتاه بُدَيْلُ بن الوَرْقاء في رجال مِن خُزاعةَ، وكلَّموه، وسألوه: ما الذي جاء به؟ فقال:"إنما لم نأتِ نريد حَرْبًا، وإنما جئنا زائرين لهذا البيت، ثم قال لهم نحوًا مما قاله لبِشْر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش، فقالوا لهم: إنكم تَعْجَلون على محمد، إنَّ محمدًا لم يأتِ لقتال، إنما جاء زائرًا لهذا البيت، فنَهْنَهُوهم (٤) وتجهَّموهم (٥)، فقالوا: واللَّهِ لا يدخُلُ علينا عَنْوةً أبدًا، ولا تَحدَّثُ العربُ أنَّا أُخِذْنا ضُغْطَةً (٦)، فبعثوا إليه مِكْرَزَ (٧) بنَ حفصِ الأَخْيَفِ، فلما رآه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كلَّمه وقال له نحوًا مما كلَّمَ به بُدَيْلًا، فرجعَ إلى قريش فأخبرَهم بما قال، فبعَثوا إليه الحُلَيْسَ بن عَلْقَمة وَكان سيِّدَ الأحابيش، فلما رآه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إنَّ هذا مِن قومٍ يتألَّهون -التألُّه: التعبد، يتألَّهون: يتعبدون ويتنسكون- فابعثوا الهَدْيَ في وجهه حتى يراه"، فلما رأى الهَدْيَ يَسيلُ عليه مِن عُرْض الوادي (٨) في
(١) جاش: الجيم والياء والشين أصل واحد، وهو الثوران والغليان، يقال: جاشت نفسه؛ كأنها غلت. انظر: "مقاييس اللغة" لابن فارس (١/ ٤٩٩). (٢) الرَّواء: الماء الكثير، وقيل: العذب الذي فيه للواردين ري. (٣) العَطَن: مبرك الإبل حول الماء، وقد عطَنَتْ الإبل على الماء؛ إذا سقيت ثم أنحيت في عطنها لتعود فتشرب. انظر: "تهذيب اللغة" (٢/ ١٠٣). (٤) في (ر): "فتنهوهم". النَّهْنَهة: الكف، تقول: نهنهنتُ فلانًا؛ إذا زجرته ونهيمَه. انظر: "العين" للخليل (٢/ ٣١٠). (٥) الذي في المصادر: "فاتهموهم وجبهوهم". (٦) الضغطة بالضم: الإكراه. انظر: "القاموس" (مادة: ضغط). (٧) في النسخ الثلاث: "بكر"، والمثبت من المصادر. (٨) أي: جانبه. انظر: "معجم ديوان الأدب" للفارابي (١/ ١٨٦).