وأهلُ الحقِّ يُؤوِّلون ذلك كلَّه على موافقة الأصول:
فأمَّا تأويلُ هذه الآية على قولِ مَن فسَّره بالصعود: أن قوله: {اسْتَوَى}؛ أي: صَعِد الدخانُ، فقد قال:{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} فكان في الأرض دخانٌ فصعد ذلك، فخَلَقه اللَّهُ تعالى سماءً، كما قال في آية أخرى:{وَهِيَ دُخَانٌ}[فصلت: ١١].
وتأويلُها على قول مَن فسَّر ذلك بالإقبال: أنَّه استعارةٌ لطيفةٌ، فإنَّ مَن رتَّب فعلين وهو مِن المخلوقين، يقال: إنَّه فعل كذا ثم أقبل على كذا؛ أي: أكمل الأول ثم (١) حقَّق إرادة الثاني، فقرَّر اللَّهُ تعالى هذا في أفهام الخَلْق: أنَّه أَكملَ خلق الأرض، ثم رتَّب عليه خلقَ السماء، ولا يُفهم مِن هذا ما يُفهم مِن ترتيب فعل البشر: أنَّ الأولَ يَنقضي ثم الثاني يأتي، بل معناه ما قلنا: أنَّ فعلَ اللَّه تعالى أزلي أبديٌّ، لكن ترتَّبَ ذكرُ الأشياء لترتُّب ظهور الآثار في الأعيان.
هذان تأويلان خارجان على تفسير السَّلَف بالصعود والإقبال.
وتأويل آخَرُ: أنَّ فيه تقديمًا وتأخيرًا: هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا إلى السماء؛ أي: خلق ذلك كلَّه، ثم قال:{ثُمَّ اسْتَوَى} أي: انتَظم ذلك كلّه.
وثَمَّ تأويلٌ آخَرُ: أنَّ الاستواءَ في الآية مذكورٌ مِن اللَّه تعالى، والمرادُ منه الاستواءُ مِن السماء، وهو (٢) على القلب، كما في قوله تعالى:{نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}[مريم: ٢٩] أي: كيف يكلِّمنا هو؟ وفي قوله:{فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي}[الشعراء: ٧٧]، أي: أنا عدوٌّ لهم، وإنَّهم عدوٌّ لي.
(١) في (أ) و (ف): "و". (٢) في (ر) و (ف): "من الأسماء وهي".