قال مقاتل: فُتِنَ سليمان بعد مُلْكه عشرين سنة، وملَكَ بعد الفتنة عشرين سنة (١).
ومنهم مَن قال: سؤال هذا الملَك كان بعد الفتنة، ويدلُّ عليه نَظْم الآية، لكنَّ بعضَ ما ذكرناه مِن الدلائل كافية، ولِمَا قاله هؤلاء نافية.
وقيل: إنه كان لسليمان مئة امرأة، فقال: لأطوفَنَّ الليلة على نسائي، فتحمِلُ كل واحدة منهن غلامًا يُقاتل في سبيل اللَّه، ولم يستَثْنِ، فما حمَلَتْ منهن إلا واحدةٌ ولدت شِقَّ غلام، وقيل: ولدًا ميتًا، فجيء به وهو على كرسيه، فوُضِعَ في حِجْره، فذلك قوله:{وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا}. وقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده، لو استثنى لولَدتْ كلُّ واحدة منهن غلامًا يقاتلون في سبيل اللَّه تعالى فرسانًا أجمعين"(٢)، فكانت فتنتُه هذه، وعتابُه لترك الاستثناء.
وقال الشَّعبي: وُلِد لسليمان ابنٌ، فاجتمعت الشياطين، وكانت تُقَدِّرُ أن راحتها في موت سليمان، فقال بعضهم لبعض: إنْ عاش له ولد لم ننفكَّ مما نحن فيه من البلاء والسُّخْرة، فسبيلُنا أن نقتل ولده أو نَخْبِلَه، فعلِم سليمان بذلك، فأمر السَّحاب
(١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" (٨/ ٢٠٧)، والماوردي في "تفسيره" (٥/ ٩٧). (٢) رواه البخاري (٦٣٤٧)، (٧٤٦٩)، ومسلم (١٦٥٤)، من حديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه، بلفظ: "لو كان سليمان استثنى لحملت كل امرأة منهن، فولدت فارسا يقاتل في سبيل اللَّه". وقوله: "ولم يستثن"؛ أي: لم يقل: إن شاء اللَّه، قال ابن حجر في "فتح الباري" (٦/ ٤٦١): أي: بلسانه، لا أنه أبى أن يفوض إلى اللَّه، بل كان ذلك ثابتًا في قلبه، لكنه اكتفى بذلك أولًا ونسي أن يجريه على لسانه. قلت: ويضرب هذا مثالًا لتفسير القرآن بالسنة عن طريق الاجتهاد، فبعض المفسرين حملوا هذه الآية على حديث سليمان هذا، فقالوا: إن هذا هو الجسد الذي أخبر اللَّه سبحانه وتعالى عنه، لكن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يربط هذا الحديث بالآية، وإنما أخبر بخبرٍ عن سليمان عليه السلام، فحَمْلُ الحديثِ على الآية ليس من فعل الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنه لم يرد من الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- على سبيل التفسير.