وقال القشيريُّ رحمه اللَّه:{وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} حتى كان لنا بالكليَّة، ولم يكن فيه لغيرنا بقيَّة (١).
وقوله تعالى:{وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}: أي: في عداد مَن يأتي وقد انتفى عنه وعن أعماله الفساد، فاستحقَّ كلَّ منزلة رفيعة ودرجة عالية، وقد فسَّرناه في (سورة البقرة) بأتمَّ من هذا.
وقيل: سمَّاه أمَّةً تسليةً للنَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في كثرة المكذِّبين به من قومِه؛ إذ كان إبراهيمُ أمَّة وحده (٢) في الإيمان، لم يكن معه غيره، ثم كثَّرَ اللَّهُ ذرِّيَّتَه، وكان منهم الأنبياء إلى قيام السَّاعة، فكذا يفعل اللَّهُ بك في تكثير أمَّتك ونشر دعوتك.
ثم الأمرُ بالاتِّباع لا يدلُّ على أنَّه دون إبراهيم في الفضيلة، بل هو -صلى اللَّه عليه وسلم- أفضلُ الأنبياء، وإنَّما أُمر باتِّباع إبراهيم في هذه الآية، وباتِّباع كلِّ الأنبياء المتقدِّمين في قوله:{فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}[الأنعام: ٩٠]؛ لأنَّهم سبقوه، والاتِّباع هو سلوكُ سبيل المتبوع، فكان اتِّباعُه لهم لمجيئِه بعدَهم، لا لكونه دونهم.
(١) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٣٢٨). (٢) في (ر) و (ف): "واحدة".