وروي أنَّ النَّبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خرجَ يومًا فرأى أصحابَه يضحكونَ، فقال لهم:"لو تعلمون ما أعلم لضحكْتُم قليلًا ولبكيْتُم كثيرًا"، فأخذوا يبكون، فنزلَ جبريلُ بهذه الآية (١).
وقال القشيريُّ: لَمَّا ذكرَ حديثَ المتَّقين وما لهم مِن رفيعِ المنزلةِ علِمَ انكسارَ قلوبِ العاصين، فتدارَكَ قلوبَهم وقال لنبيِّه: أخبرْ عبادي العاصِيْنَ: {أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}؛ أي: إنْ كنْتُ الشَّكُورَ الكريمَ بالمطيعين، فإنِّي أنا الغفورُ الرَّحيمُ للعاصين (٢).
وفي الأخبار: لَمَّا نزلَ قولُه: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ}[الحجر: ٤٣] ووصفَ جبريلُ عليه السلام لرسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ما في جهنَّم، احتجبَ عن النَّاسِ أيَّامًا يبكي، وجاءَ سلمانُ فاطمةَ وأخبرَها به، فجاءَتْ إلى النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالَتْ: يا أبتاه، ما الَّذي أصابَكَ؟ فذكَرَ لها نزولَ هذه الآيةِ، وبعضَ ما وصفَ له جبريلُ مِن ذلكَ، وقالَ: "إنَّ حرَّها شديد، وقَعرَها بعيد، وحليَّها حديد، وشرابَها الحميمُ والصَّديد، وثيابَها
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٨٢)، والسمرقندي في "تفسيره" (٢/ ٢٥٨)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ٣٤٣) من حديث رجل من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. ورواه البزار في "مسنده" (٢٢١٦)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٣/ ١٠٤) من طريق مصعب بن ثابت عن عبد اللَّه بن الزبير، وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه بهذا اللفظ، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلا ابن الزبير، ولا نعلم له طريقًا إلا هذا الطريق، ولا نعلم أن مصعب بن ثابت سمع من ابن الزبير. وبعض هذا الحديث متفق عليه، وهو قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا"، رواه البخاري (٤٦٢١)، ومسلم (٢٣٥٩)، من حديث أنس رضي اللَّه عنه. (٢) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (٢/ ٢٧٤).