نوحٍ تقريرًا لحالك، أم يقولون: اختَلَقه؟ فإنْ قالوا ذلك فقلْ: إنِ افتريتُهُ فعليَّ عقابُ ذنبي، وأنتم بريئون من جُرمي لا تُؤاخذون به، وأنا أيضًا بريء مِن جُرمكم لا أؤاخَذ به.
وقال الإمام أبو منصور رحمة اللَّه عليه: قال بعضهم: هو قولُ قومِ نوحٍ: إنَّ نوحًا افترى على اللَّه أنَّه أرسلَه إليهم، فأجابَهم بما أجابَ (١). فعلى هذا القصَّة منتظِمة.
وقوله تعالى:{وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}؛ أي: أوحينا إليه فقلْنا له: لن يصدِّقَكَ بعدَ هذا منهم إلَّا مَن قد آمن (٢)، فلا تحزن ولا تبأس، هو حزنٌ في استكانةٍ، وهو افتعال مِن البؤس؛ أي: فلا تتصوَّر بصورةِ مَن أصابه البؤس بما فعلوا، ولَمَّا أُخْبِر بذلك وأيسَ مِن إيمانهم دعا عليهم فقال:{رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا}[نوح: ٢٦].
وقال الإمام أبو منصور رحمه اللَّه: دلَّتِ الآيةُ أنَّ للإيمانِ حكمَ التَّجدُّد؛ فإنَّ قولَه:{إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} استثناءٌ ممَّن لا يؤمِن في المستقبل، فكان إثباتًا لإيمانهم في حادث الوقت.
وقوله تعالى:{بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} يحتمِل الكفر؛ لأنَّ الأنبياء كانوا يحزنون
(١) انظر: "تأويلات أهل السنة" للماتريدي (٦/ ١٢٧). (٢) في (أ): "أسلم".