وقولُه تعالى:{وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ}: أي: إذا أعطينا المشركين خِصْبًا بعد جَدْب، ومَطرًا بعد قَحْط، وسَعةً بعدَ ضِيق، ندعوهم بذلك إلى الشُّكر.
وقوله تعالى:{إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا}: {إِذَا}: كلمةُ مفاجأة؛ أي: ظهرَ منهم مكرٌ في آياتِنا؛ أي: حملَهم الطُّغيان على إخفاء قصد السُّوء بآياتِنا، بأن تصوَّروا أعلام الدُّعاء إلى الشُّكر منهم بغير صورتها، وتغييرها (٢) عن وجهِها، ويقولون: هذا شيءٌ جاءَنا باستحقاقِنا، وهو كقوله تعالى:{فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ}[الأعراف: ١٣١]، وكقوله:{وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي}[فصلت: ٥٠].
وقوله تعالى:{قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا}: أي: هو استدراجٌ منه لهم مِن حيثُ لا يعلمون، وإملاءٌ لهم، وهو أسرعُ مِن فعلِهم، فلا حاجةَ للَّهِ في إمضائِه إلى تلبُّثٍ.
ويحتملُ أنْ يكونَ معناه: يستعينون بنعمةِ اللَّهِ على الاحتيال على المؤمنين، والإنفاقِ في ابتغاء الغوائل لهم، فيوقِفُ اللَّهُ تعالى نبيَّه على ذلك؛ قال تعالى:{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلى قوله {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ}[الأنفال: ٣٠].
(١) ذكره الماتريدي في "تأويلات أهل السنة" (٤/ ٤٧٧)، والثعلبي في "تفسيره" (٥/ ١٢٦). (٢) قوله: "وتغييرها" كذا في (ر) و (ف)، وغير واضحة في (أ).