وقال الإمام القشيري رحمه اللَّه: خوَّفهم برؤيته سبحانه وتعالى أعمالَهم، فلمَّا علم أن فيهم مَن يتقاصرُ حاله عن الاحتشام لاطِّلاع الحق قال:{وَرَسُولُهُ}، ثم قال لمن نزلت رتبتُه:{وَالْمُؤْمِنُونَ}، وقد خسر مَن لا يمنعه الحياءُ، وسقط مِن عين اللَّه مَن هتكَ جلبابَ الاتِّقاء، وقال عليه السلام:"إنَّ مما أدركَ الناس من كلام النبوة: إذا لم تستَحْيِ فاصنع ما شئت"(١) قال الشاعر:
إذا قَلَّ ماءُ الوجهِ قلَّ حياؤُه... ولا خيرَ في وجهٍ إذا قلَّ ماؤه (٢)
وقوله تعالى:{وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ}(٣) قرئ بالهمزة وغير الهمزة (٤)، ومعناه: مؤخَّرون موقوفون إلى أن (٥) يظهر أمر اللَّه فيهم.
وقوله تعالى:{إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}: قيل: الإرجاء من العباد، فكانت طائفة تقول: إن اللَّه يتوب عليهم كما تاب على أبي لبابة وأشكاله، وطائفة تقول: إن اللَّه يعذبهم ويردُّ توبتهم ويمنع الناس من مكالمتهم ويفرِّق بينهم وبين نسائهم، أو يأمر بقتلهم أو نفيهم، فنزل القرآن بقبول توبتهم:{وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}[التوبة: ١١٨].
(١) رواه البخاري (٣٤٨٤) من حديث ابن مسعود رضي اللَّه عنه. (٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦١). (٣) في (ف): "وآخرون مرجؤون. . . "، وهما قراءتان كما سيأتي. (٤) قرأ بالهمز ابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو وابن عامر، والباقون بغير همز. انظر: "السبعة" (ص: ٢٨٧ - ٢٨٩)، "التيسير" (ص: ١١٩). (٥) في (أ): "ومعناه مرجون إلى أن"، وفي (ف): "ومعناه مرجون موقوفون إلى أن".