للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقال الإمام القشيري رحمه اللَّه: خوَّفهم برؤيته سبحانه وتعالى أعمالَهم، فلمَّا علم أن فيهم مَن يتقاصرُ حاله عن الاحتشام لاطِّلاع الحق قال: {وَرَسُولُهُ}، ثم قال لمن نزلت رتبتُه: {وَالْمُؤْمِنُونَ}، وقد خسر مَن لا يمنعه الحياءُ، وسقط مِن عين اللَّه مَن هتكَ جلبابَ الاتِّقاء، وقال عليه السلام: "إنَّ مما أدركَ الناس من كلام النبوة: إذا لم تستَحْيِ فاصنع ما شئت" (١) قال الشاعر:

إذا قَلَّ ماءُ الوجهِ قلَّ حياؤُه... ولا خيرَ في وجهٍ إذا قلَّ ماؤه (٢)

* * *

(١٠٦) - {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.

وقوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ} (٣) قرئ بالهمزة وغير الهمزة (٤)، ومعناه: مؤخَّرون موقوفون إلى أن (٥) يظهر أمر اللَّه فيهم.

وقوله تعالى: {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}: قيل: الإرجاء من العباد، فكانت طائفة تقول: إن اللَّه يتوب عليهم كما تاب على أبي لبابة وأشكاله، وطائفة تقول: إن اللَّه يعذبهم ويردُّ توبتهم ويمنع الناس من مكالمتهم ويفرِّق بينهم وبين نسائهم، أو يأمر بقتلهم أو نفيهم، فنزل القرآن بقبول توبتهم: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة: ١١٨].


(١) رواه البخاري (٣٤٨٤) من حديث ابن مسعود رضي اللَّه عنه.
(٢) انظر: "لطائف الإشارات" (٢/ ٦١).
(٣) في (ف): "وآخرون مرجؤون. . . "، وهما قراءتان كما سيأتي.
(٤) قرأ بالهمز ابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو وابن عامر، والباقون بغير همز. انظر: "السبعة" (ص: ٢٨٧ - ٢٨٩)، "التيسير" (ص: ١١٩).
(٥) في (أ): "ومعناه مرجون إلى أن"، وفي (ف): "ومعناه مرجون موقوفون إلى أن".