وقوله تعالى:{لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ} قال الكلبيُّ رحمه اللَّه: إنَّ رؤساءَ مكَّة قالوا: يا محمَّد، إنَّا قد سألنا عنك اليهودَ وعن صفتِك، فزعَموا أنَّهم لا يعرفونَك في كتابِهم، فائتنا بمَن يشهدُ لك أنَّ اللَّهَ بعثَك إلينا رسولًا، فأنزلَ اللَّهُ تعالى:{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} إلى قوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى}[الأنعام: ١٩]، قالوا: نعم يا محمَّد، نحن نشهدُ على ذلك، ولا نجدُ أحدًا يَشهد أنَّك رسولُ اللَّه، فأنزلَ اللَّهُ تعالى:{لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ} الآية (١).
وشهادةُ اللَّه لرسوله (٢): بما أظهرَ على يدِه مِن المعجزات، وهي شهادةٌ قاطعةٌ، وشهادةُ الملائكة: إقرارُهم بنُبوَّتِه، وفي شهادةِ اللَّه كفايةٌ، وإنَّما قرنَ بها شهادةَ الملائكة؛ تشريفًا لهم، أو على مقابلةِ شهادتِهم بتكذيب الكفَّار، وقد عرفَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كثرتَهم وشرفَهم عند اللَّه تعالى، فإذا علمَ شهادتَهم له بذلك، كان ذلك تسليةً له وغُنيةً عن شهادةِ الكفَّار.
وقوله تعالى:{أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ} قال الزَّجَّاج: أي: أنزلَ القرآنَ الذي فيه علمُه (٣).
وقيل: أي: أنزلهُ مِن علمِه (٤).
(١) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٧٩) عن الكلبي مختصرًا، وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٣/ ٤١٧) عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما. (٢) في (ف): "للرسول هي". (٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج (٢/ ١٣٤). (٤) قوله: "وقيل: أي أنزله من علمه" ليس في (أ).