قال سعيد بن جبير: لَمَّا ترعرعَ عيسى جاءت به أمُّه إلى الكُتَّاب، فقال له المعلِّم: قل: بسم، فقال عيسى: اللَّه، فقال له المعلم: قل: الرَّحمن، فقال عيسى: الرَّحيم، فقال المعلم: قل: أبجد، فقال عيسى: أتدري ما الألف؟ قال: لا، قال: الألف آلاء اللَّه، والباء بهاء (١) اللَّه، والجيم جلال اللَّه، والدال دوام اللَّه. فقالَ المعلم: كيف أُعلِّم مَن هو أعلمُ منِّي، قالت مريمُ: فدعْهُ حتى يقعد مع الصِّبيان، وكان يخبرُ الصِّبيان بما أكلوا وبما خُبِّئ لهم (٢).
قوله تعالى:{وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}؛ أي: علامةٍ بيِّنة، وهي ما ذكرَ بعدَه من خلقِ الطَّيرِ من الطِّينِ.
وقيل: ينصرفُ إلى كلِّ ما ذكرَ بعدَه من المعجزات، وأراد بالآيةِ: الآيات، على هذا التَّأويل، ولكنَّه وحَّده (٣) لأنه أراد به الجنس، ولأن هذه الآيات كلها تدل على معنًى واحد، فكانت كأنها واحدةٌ، كما في قوله تعالى:{وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً}[المؤمنون: ٥٠]، بخلافِ قوله تعالى:{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ}[الإسراء: ١٢]؛ لأن كل واحدٍ منهما يدل على معنًى آخر.
قوله تعالى:{أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ}؛ أي: أقدِّر لأَجْلكم (٤)، قال الشاعر:
وَلأَنْتَ تَفْري ما خلقْتَ وبَعْـ... ضُ القومِ يخلُقُ ثمَّ لا يَفْرِي (٥)
ولا يجوز حمله على التخليق من جهةِ عيسى، الذي هو الإيجاد والاختراع؛
(١) في (ر): "بقاء"، والمثبت هو الموافق لمصدر التخريج. (٢) رواه ابن المنذر في "تفسيره" (٢٧٧)، وصحح إسناده السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ١٩٩). (٣) في (أ): "لكنه وحدها"، بدل: "ولكنه وحده". (٤) في (ر): "أجلكم"، وفي (ف): "لكم". (٥) البيت لزهير بن أبي سلمى. انظر: "ديوانه - بشرح الشنتمري" (ص: ٦٣).