وقال ابن كيسان: أي: لا يعلمون الغيب الذي يعلمه اللَّه تعالى إلا بقَدْر ما أَطْلعَ عليه بعضَ رسله ليكون حجةً له على أمته، فيعلمون أن علم الغيب لم يأته إلا من اللَّه تعالى، قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: ٢٦ - ٢٧].
ثم قوله:{مِنْ عِلْمِهِ}؛ أي: معلومِه، واسم المصدر يقع على المفعول؛ يقال في الدعاء: اللهمَّ اغفِرْ علمك فينا؛ أي: معلومَك، فأما الإحاطةُ بعلم اللَّه تعالى الذي هو صفتُه القائمةُ بذاته فغيرُ متصوَّرة، تعالى اللَّهُ تعالى عن الإحاطة والإدراك بذاته و (١) صفاته، فإن اللَّه تعالى يُعلم ولا يحاط به، ويُرى ولا يُدرك.
وقوله تعالى:{وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} قيل: العرشُ والكرسي واحد، والمفهومُ منهما: السريرُ، وأصل الكرسي في اللغة هو المتراكِبُ، وقد تكارَسَ تكارُسًا؛ أي: تراكَبَ، والكُرَّاسة (٢) سمِّيت بها لتراكُبِ بعضِ أوراقها على بعضٍ. قال العجَّاج:
يا صاحِ هل تعرفُ رسمًا مُكْرَسًا... قال نعم أَعرفُه وأَبْلَسا (٣)
أي: تكارَسَ عليه التراب؛ أي: تراكَبَ فغطَّاه، والكَرْس: البَعرُ والبولُ، إذا تلبَّدَ