لكم بياضُ النَّهار مِن سوادِ اللَّيل، وسُمِّي خيطًا؛ لأنَّه أوَّل ما يَظهرُ يكون دقيقًا كالخيط، ثمَّ ينتشر، وأنشدوا لأبي دؤاد:
فلما (١) أضاءَتْ لنا سُدْفَةٌ... ولاحَ مِن الصُّبْحِ خيطٌ أنَارَا (٢)
وقوله تعالى:{مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} هو مقابلةُ الخيطِ الأبيض، وذاك دقيقٌ، وهذا ليس في دقَّتِه (٣)، لكن يجوزُ إطلاقُه عند المقابلة.
وقيل: الخيطُ الأبيضُ: ابتداءُ ظهورِ النَّهار، والخيطُ الأسودُ: بقيَّةُ سوادِ اللَّيل، وكان (٤) كلُّ واحدٍ منهما يرجع إلى القِلَّةِ؛ ذاك قَلَّ ما بقيَ مِن مُدَّتِه، وهذا قَلَّ ما ظهرَ مِن أثرِه، وقال الشاعر:
وقوله تعالى:{مِنَ الْفَجْرِ} هو للتبعيض، وهو دلالةٌ إلى أنَّه إذا ظهرَ شيءٌ مِنه، دخلَ وقتُ الصَّوم.
وقيل: هو للبيان، قال سهل بن سعد الساعدي: نزلت هذه الآية: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ
(١) في (ف): "ولما". (٢) البيت في "الأصمعيات" (ص: ١٩٠)، و"غريب الحديث" لابن قتيبة (١/ ١٧٥)، و"تفسير الطبري" (٣/ ٢٦٠)، و"ديوان أبي دؤاد الإيادي" (ص: ١١٠). والسدفة: الظلمة في لغة نجد، وفي لغة غيرهم الضوء. انظر: "الصحاح" (مادة: سدف)، وهي هنا بمعنى الظلمة كما فسرها ابن قتيبة. (٣) بعدها في (أ): "مثل ذلك". (٤) لفظ: "كان" من (أ). (٥) البيت لأمية بن أبي الصلت، وهو في "لسان العرب" (مادة: خيط)، "وديوان أمية" (ص: ٤٨٣)، وروايته فيهما: الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق... والخيط الأسود لون الليل مركوم وذكره الثعلبي في "تفسيره" (٢/ ٨٠) دون نسبة.