وقوله تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ}؛ أي: أُلجِئ إلى أكلِ شيءٍ منها؛ بأنْ لا يجدَ غيرها، والاضطرارُ فعلٌ متعدٍّ، ولذلك جاء على لفظِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه ها هنا، وقال:{ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ}[لقمان: ٢٤]، فعدَّاه إلى الكناية.
وقوله تعالى:{غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} البغيُ في اللُّغة: مجاوزةُ الحدِّ، يقال للجرح إذا تورَّم واشتدَّ: بغى، ويقال للبحر (١) إذا زاد: طغى وبغى، وللفرس إذا مَرِحَ في عدوِه واختال في ذلك: بغى.
والعدوانُ: مجاوزةُ الحدِّ أيضًا، وقد عدا طورَهُ، فقيل (٢): هما واحدٌ (٣)، ومعناه: مجاوزةُ قدرِ الحاجة، والتَّكرارُ للتأكيد، كقوله:{رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[التوبة: ١١٧].
وقيل: معناه: {غَيْرَ بَاغٍ} إيَّاهُ؛ أي: طالبٍ وهو (٤) يَجِدُ غيرَهُ، {وَلَا عَادٍ}؛ أي: مجاوزٍ قدرَ ما يقعُ به دفعُ الهلاكِ عن نفسِه.
وقيل: هما تفسيرُ قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ}(٥)، وهذا كقوله:{مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ}[النساء: ٢٥].
وقال قتادة:{غَيْرَ بَاغٍ}؛ أي: ظالمٍ بأكلِه مِن غير ضرورةٍ، {وَلَا عَادٍ} يتعدَّى مِن الحلال إلى الحرام؛ أي: يتركُ حلالًا يَجدُهُ، ويختارُ هذا (٦).
(١) في (أ): "للحر". (٢) في (ر): "كما قال في موضع آخر وقيل واللَّه أعلم" بدل: "فقيل". (٣) بعدها في (ر): "على ما ذكرناه". (٤) في (ر): "ولا"، وفي (ف): "وهو لا". (٥) بعدها في (ر) و (ف): "غير باغٍ". (٦) في (ر): "حراما" بدل: "هذا". وقول قتادة رواه الطبري في "تفسيره" (٣/ ٦١)، وابن أبي حاتم (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥) (١٥٣٠).