للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وقوله تعالى: {يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ} "أن" مقدَّرةٌ هاهنا؛ كأنَّه قال: أوصِي أنْ يا بنيَّ (١)، وجاز الحذفُ؛ لأنَّ الوصية قولٌ، وفي القول يصحُّ بغير "أن"، ومثلُها الوعدُ والرِّسالةُ والإبلاع والإنذار، يجوزُ فيها الوجهان؛ إثباتُها وإلغاؤها، وكذا الأذانُ والدَّعوى وما يَجري مجراها، يجوز فيها إدخالُ "أن" وإلغاؤها، قال اللَّه تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} [المائدة: ٩]، ولم يقل: أن لهم مغفرةً؛ لأنَّ العِدَة قولٌ، وقال تعالى: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ} [الأعراف: ٤٤]، وقال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ} [نوح: ١]، وقال تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} (٢) [يونس: ١٠]، ففي كلِّ هذا يجوزُ إثباتُها؛ لاعتبار الفعل، ويجوزُ حذفُها؛ لتقدير القول، وفي قوله: {أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ} [القلم: ١٤]، لا يَجوزُ حذفُها؛ لأَنَّه ليس فيه معنى القول.

وفي صريحِ القول وإضمارِه لا يَجوزُ إيرادُها، تقول: قلت له: زيدٌ في الدَّار، ولا يَجوزَ قلت له: أنْ زيدٌ في الدار، وقال تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} [الأنعام: ٩٣] لا يجوز في مثله: أنْ أخرجوا أنفسكم؛ لأنَّ القول مضمرٌ، وأنشدَ الكسائيُّ:

إنِّي سأبدي لك فيما أبدي

لي شجنانِ شجنٌ بنَجْدِ

وشَجَنٌ لي بِبلادِ السِّنْدِ (٣)


(١) بعدها في (ر): "إنَّ اللَّه اصطفى لكم الدين".
(٢) بعدها في (ر): "ربَ العالمين".
(٣) الرجز في "معاني القرآن" للفراء (١/ ٨٠، ١٨٠)، و"تفسير الطبري" (٢/ ٥٨٣)، و"الزاهر" لابن الأنباري (٢/ ١٨٩)، و"تفسير الثعلبي" (١/ ٢٨١).