ولمّا قتل يعقوب، أسقف القدس، على يد اليهود، هدموا بعده البيعة، وأخذوا خشبة الصّليب والخشبتين معها ودفنوها، وألقوا على موضعها ترابا كثيرا، فصار كوما عظيما، حتى أخرجتها هيلانة أمّ قسطنطين، كما ستراه قريبا إن شاء اللّه تعالى (١).
وأقيم بعد قتل يعقوب سمعان ابن عمّه، أسقف القدس، فمكث اثنتين وأربعين سنة أسقفا ومات، فتداول الأساقفة بعده الأسقفيّة بالقدس واحدا بعد آخر.
ولمّا أقام مرقص حنانيا - ويقال أنانيو - بطرك الإسكندرية، جعل معه اثني عشر قسّا، وأمرهم إذا مات البطرك أن يجعلوا عوضه واحدا منهم، ويقيموا بدل ذلك القسّ واحدا من النصارى حتى لا يزالوا أبدا اثني عشر قسّا، فلم تزل البطاركة تعمل من القسوس إلى أن اجتمع ثلاث مائة وثمانية عشر، كما ستراه إن شاء اللّه تعالى (٢).
وكان بطرك الإسكندرية يقال له «البابا» من عهد حنانيا هذا، أوّل بطاركة الإسكندرية، إلى أن أقيم ديمتريوس، وهو الحادي عشر من بطاركة الإسكندرية، ولم يكن بأرض مصر أساقفة، فنصب الأساقفة بها، وكثروا. فغزاها في بطركيته هرقل، وصار الأساقفة يسمّون البطرك «الأب»، والقسوس (a) وسائر النصارى يسمّون الأسقف «الأب»، ويجعلون لفظة «البابا» تختصّ ببطرك الإسكندرية، ومعناها «أب الآباء» (b). ثم انتقل هذا الاسم عن كرسي الإسكندرية إلى كرسي روميّة، من أجل أنّه كرسي بطرس رأس الحواريين، فصار بطرك روميّة يقال له «البابا»، واستمرّ على ذلك إلى زمننا الذي نحن فيه (٣).
(a) كذا في النسخ، وعند ابن البطريق لنيوس. (b) بولاق: أبو الآباء. (١) فيما تقدم ٧٢٢: ١ - ٧٢٣؛ وفيما يلي ٩٨٣. (٢) سعيد بن البطريق: التاريخ المجموع ٩٥: ١، ونشرة Breydy ٥٣؛ وفيما يلي ٣: ٩٨٢. (٣) نفسه ٩٦؛ القلقشندي: صبح الأعشى ٤٧٢: ٥، ٢٧٤: ١٣. وقد جمع المقريزي في روايته عن تاريخ النصرانية بين ذكر أباطرة الرّومان - سواء في روما أو في بيزنطه (القسطنطينية) - وذكر البطاركة الذين تولّوا في عهدهم في الأربع كراسي الرّئيسة: روما والإسكندرية وأنطاكية وبيت المقدس ثم القسطنطينية، متّبعا في ذلك نصّا يجمع بين روايتي سعيد بن البطريق (أوتيخيوس) والمكين جرجس بن العميد (راجع المقدّمة)؛ بينما أفرد معاصرة القلقشندي ذكر الأباطرة عن ذكر البطاركة، ونصّ صراحة على اعتماده على تاريخ المكين جرجس بن العميد. (القلقشندي: صبح الأعشى ٣٠٨: ٥ - ٣٢١ (ذكر البطاركة)، وقد نقل تيسيران وفييت هذه القائمة إلى اللغة الفرنسية Tisserant، E.et Wiet، G.، «La liste des Patriarches d'Alexandrie»، ROC XXIII (١٩٢٢ - ٢٣)، pp. ١٢٣ - ٤٣؛ ٣٨٤: ٥ - ٣٩٦ (ذكر الأباطرة)).