للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفيها من النفائس التي لا يكاد يوجد في خزانة أحد من الملوك، فملك صلاح الدين الأملاك التي كانت لهم وضُربت الألواح على رباعهم ودورهم ثم ملك بعضها خاصته. وأمراؤه، وبعضها أذن ببيعه ووهب الفاضل (١) الكتب عن آخرها، وأزال مبسم تلك الأنام، ومحا رسوم تلك البنية، فتكدرت مواردهم المشرعة، وتعفّت آثارهم بالكلية، إن في ذلك لموعظة وذكرى لأولي الألباب.

قال ابن مماتي (٢): ولم تشهد التواريخ بانقضاء دولة كانقضاء دولتهم على حالة سكون وأحمد قضيته تكون، قال: واتفقت بعدهم غرائب، فمنها: أن بعض أمراء المصريين صاروا نوّابًا على باب داره في خدمة من أعطيت له، وآخر صار أمينًا في بعض ما كان في إقطاعه.

قال ابن مماتي: وجرى يومًا حديث المصريين في مجلس القاضي الفاضل فسألته: كم كانت عدتهم في عرض ديوان الجيش لما كان متوليه أيام رُزَّيك بن الصالح، فقال: كانت أربعين ألف فارس ونيفًا وثلاثين ألفًا من السودان.

وحكي: أن الأمير الكبير باركوج اشترى من الديوان السلطاني عدة أَدُور وخرابات بمصر ليستعين بانقاضها على عمائره، وكان من جملتها دار كبيرة وصفت له وذكرت عنده فتوجه إليها، وتسرع الغلمان لإزعاج من فيها، فسمعهم يبكون، فسأل عن ذلك فقيل له: هؤلاء بعض عيال المصريين، فلما أخرجوا من دورهم بالقاهرة أووا إلى هذه الدار، وهم لا يعرفون أين يذهبون إذا خرجوا، فبكى واستدعى بعضهم برفق وأطاب قلوبهم ووهبهم الدار وكتب لهم خطة بها وجعلهم على ثقة من التصرف فيها، وما فسح لهم في بيعها أن آثروا الانتفاع بها وانصرف عنهم معتذرًا.

وقال ابن مماتي: حدثني الشريف النسابة النقيب أسعد بن الجواني، قال: سكنت في مصر بدار عتيقة الأشرف، وكانت لي زوجة كنت أبات أنا وإياها في بادهنج بها فاستيقظت ليلةً فقالت: رأيتُ في النوم قائلًا يقول لي: احفروا تحت الطيلسان الرخام الذي تحتكم وخذوا ما تجدونه من المال اتفقوا به فقدان ظهوره،


(١) يريد به القاضي الفاضل، كاتب الإنشاء في ديوان صلاح الدين، مضت ترجمته.
(٢) ابن مماتي: أبو المكارم اسعد بن مهذب الملقب بالخير ابن مينا بن زكريا بن مماتي، كان نصرانيًا فأسلم، ورتب ناظر الدواوين المصرية، وكان أديبًا شاعرًا، نظم سيرة صلاح الدين، وكليلة ودمنة وله: الفاشوش في أحكام قراقوش ومصنفات أخرى كثيرة، توفي سنة ٦٠٦ هـ: وفيات الأعيان ١/ ٢١٠ ومعجم الأدباء ٢/ ٤٠٤ والنجوم الزاهرة ٦/ ١٧٨ وخريدة القصور قسم شعراء مصر ١/ ١٠٠ وشذرات الذهب ٥/ ٢٠، والوافي بالوفيات ٩/ ١٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>