للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

شيئًا، وأشرفت على مدينتك فرأيتها مظلمة، ودخلتُ عليك فما وجدت لك من المهابة ما وجدته ذلك العام، فقلت: كان ذلك أمرًا مُقبلًا، وهذا أمرٌ مُدبر ولا أخالك إلا ميتًا (١)، فلم يلبث بعدها المعز الحمى (٢) ومات وقد كان المعز احتفر له سردابًا وقال لأصحابه: إن بيني وبين الله عهدًا وإني ماضٍ إليه، وقد استخلفت عليكم ابني نزارًا، ثم تغيّب سنة في السرداب، ثم ظهر وهو مُتعلل فمات، وكان أحد المغاربة إذا رأى سحابًا نزل أومى إليه بالسلام ظنًا منه أن المعزّ فيه، وكانت ولايته ثلاثًا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام.

ثم ابنه:

[٦] العزيز بالله أبو المنصور نزار (٣)

وكانت أيامه أيام دعة، وتمام سعة، والناس فيها في هدوء، لا يقلقل له مضجع ولا يُساء به قلب ولا مسمع وما برح أهل مصر في كل جيل تضرب المثل فتقول لما تستطيب من الأيام: كأنها أيام العزيز لأنه كان لين الجانب. يغنيه حسن المناقب عن خشن المقانب يغريه كرم سجيته بالندي الغمر، ويهزه في الندى هزة الخمر، ووقفت على تاريخ ضبط له فما رأيت في رسوم ما يُجبى من الرعايا مثل عدل أمر به وظلم بطله وأمر أراح سيفه وأنام بطله، وتفسح العزيز في بلاده، وتلقح على الفراق ليوطئه سنابك جياده، ودعي له على منابر الشام، وذكر له على منابر المساجد، وحيي بالسلام، وبلقبه لقب السطان (صلاح) (٤) الدين ابنه العزيز عثمان (٥) ترجّيا أن


(١) في الكامل: كان أمرًا مقبلًا وإنه الآن بضد ما كان عليه.
(٢) كذا في الأصل، وهي عبارة مضطربة، وفي الكامل: وأخذت المعز الحمى لشدة ما وجد واتصل مرضه حتى مات.
(٣) نزار بن معد المعز لدين الله بن المنصور العبيدي الفاطمي، ولد بالمهدية، وبويع بعد وفاة أبيه سنة ٣٦٥ هـ، وكان أديبًا فاضلًا يكره سفك الدماء، كريم الأخلاق حليمًا، مغرى بصيد السباع، توفي في مدينة بلبيس سنة ٣٨٦ هـ.
انظر: النجوم الزاهرة لابن سعيد ص ٤٦ والكامل لابن الأثير ٧/ ١٧٦ وابن خلدون ٤/ ٥١ وابن خلكان ٥/ ٣٧١ وخطط المقريزي ١/ ٢٩ ونهاية الأرب ٢٨/ ١٥٣ واتعاظ الحنفا ١/ ٢٣٦ والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٤/ ١١٢.
(٤) ساقطة من الأصل، ويريد به السلطان صلاح الدين الأيوبي الذي قضى على الخلافة الفاطمية وحكم مصر باسم العباسيين.
(٥) العزيز عماد الدين عثمان بن صلاح الدين يوسف الأيوبي، ولد بمصر سنة ٥٦٧ هـ، وحكم مصر بعد =

<<  <  ج: ص:  >  >>