[٢] المهدي بالله (١)، أبو محمد عبيد الله بن محمد بن جعفر بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ابن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب
وكان رجلًا حازمًا، عازمًا، عارفًا عالمًا، أتقن جانبًا من علم الأوائل، وأجاد في فن الروحاني، وحذا شعبة من السحر، وأورثه بنيه، وكان لا يودع إلا الأئمة منهم، وكان يشبه في أمره بالسفاح، لقيامه بدولة أقامها بالصفاح، وكان أبو عبد الله الشيعي داعيته، وكاده، حتى حاز الملك، وساعيته، وكان رجلًا حازمًا بريئًا من التكلف، غنيًا بما يظهر من التعفف، لا يتعمّق في متاع الحياة الدنيا ولا يتعرض إلى زائد عما يحتاج إليه مدة ما يحيا، وكان يجلس على اللبود، ويأكل الخشن من الطعام، ويكتفي بجارية واحدة وغلام، وكان يظهر مظاهر الزهاد، ويقف مع ظاهر النساك على رؤس الأشهاد مع ما في باطنه من الداء الدويّ، والمعتقد البئيس الردي، والإعلان بالسب والإمعان في الطعن فيمن دبّ، وإظهار الإيمان، وإبطان الكفر، وتمزيق أهل جلدة الإسلام بالناب والظفر، مع عدلٍ بسط بساطه، وكان به فتور فكأنما حلّ من عقال نشاطه، وكانت الكتب لا تنفذ في أيامه إلا باسم ولده محمد القائم، وكان لا يُسمّى المهدي فيها، وبعث دعاته إلى الأرض، وبثّ فيها عقاربه، وبعث أقاربه بل أراقمه، ونَفَثَ سمه من سوء الاعتقاد وما قاربه.
قال ابن سعيد (٢): وعبيد الله المهدي أول خلفائهم، تشبّه بالسفاح أول خلفاء بني العباس، فإن السفاح خرج من الحميمة (٣) بالشام طالبًا للخلافة والسيف يقطر دمًا من أصد (٤) وأبو سلمة الخلال (٥) يؤسس له الأمر ويثبت دعوته، وكان عبيد الله
(١) انظر ترجمته وأخباره في: كامل ابن الأثير ٦/ ١٣٣ ونهاية الأدب ٢٨/ ١٠٠ واتعاظ الحنفا ١٧ - ١٠٧ وكنز الدرر ٦/ ١٠٨. (٢) يشير إلى كتابه: كنوز المطالب. (٣) الحميمة: بلد من أرض الشراة من أعمال عمان في أطراف الشام، كان منزل بني العباس (ياقوت - الحميمة). (٤) الأصد: الثوب، وهو قميص قصير بلا أكمام. (٥) أبو سلمة الخلال، الملقب وزير آل محمد، حفص بن سليمان الهمداني، كان كبير الدعاة إلى العباسيين وموطد حكمهم، استوزره السفاح ثم قتله غيلة لما علم ميله إلى العلويين، ابن خلكان ١/ ١٦٣ والفخري ص ١١١.