المهدي خرج من سلمية بالشام وفي رأسه طلب الأمر، والعيون قَدْ أُذكيت عليه، وأبو عبد الله الشيعي يسعى في تمهيد دولته وكلاهما تم له الأمر، وبايعه صاحب دعوته، وقتل عبيد الله أبا عبد الله الشيعي القائم بدولته، وأصبح أبو سلمة مقتولًا في حضرة السفاح، فنسب قتله إليه.
قلت: بل هو الصحيح أنه دس عليه مَنْ خَتَلَهُ، ونَصَبَ له المكيدة حتى قَتَلَهُ وذكر الشريف أبو العباس أحمد بن الحسن الحسني الغرناطي، خلافًا كبيرًا في أمر المهدي المذكور (في تاريخه)(١) ثم قال: ولد بسلمية، وقيل ببغداد سنة ستين ومائتين، وبويع له برقادة يوم الخميس الموفي بعشرين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين ومائتين، وهو ابن سبع وثلاثين سنة، وهو باني المهدية وغيرها، ولما ظَهَرَ أمر الشيعي القائم بالمغرب بدعوته جعل الخليفة عليه عيونًا بمصر فوقع المهدي بمصر في زي التجار بيد صاحبها عيسى النوشري (٢)، فقال له: أنت الذي طلبه أمير المؤمنين، فقال: إنما أنا رجل تاجر، فاتق الله في دمي، فخلى سبيله فخرج في قافلة يريد إفريقية، ثم إنه فقد كلبًا كان يصيد به فرجع في طلبه وإن صاحب مصر ندم على تخليته، فخرج في طلبه، فإذا هو راجع في طلب كلبه، فقال: لو كان هذا هو المطلوب لطلب النجاة لنفسه، ولم يرجع في طلب كلب، فانصرف وتركه (٣)، فسار حتى نزل طرابلس، وكان زيادة الله بن الأغلب (٤) قد أرصد عليه عيونًا فخاف عبيد الله على نفسه فأخذ طريق قصطيلية (٥) حتى أتى سجلماسة في يوم الأحد السابع من صفر سنة (ست) وتسعين ومائتين، ومعه ابنه أبو القاسم محمد القائم، فوش به واش إلى صاحبها اليسع بن مدرار، فأحضره بين يديه، واستفهمه عن حاله، فقال:
(١) في الأصل: فتاريخه. (٢) أبو موسى عيسى النوشري، من ولاة العباسيين، استعمله المنتصر على دمشق ثم ولي عدة ولايات، وولي مصر بعد انقراض الدولة الطولونية إلى وفاته سنة ٢٩٧ هـ، وكان شجاعًا حازمًا، انظر: النجوم الزاهرة ٣/ ١٤٠٥. (٣) الخبر في نهاية الأرب ٢٨/ ١٠١. (٤) زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب، ولي إفريقية بعد أبيه، وكان أديبًا شاعرًا سفاكًا للدماء، انتفضت عليه إفريقية وخرجت أكثر مدنها عن طاعته ولم يبق له سوى مدينة القصر القديم، توفي سنة ٤٢٣ هـ ومدة ملكه ٢١ سنة. انظر: البيان المغرب ١/ ٩٦ والوافي بالوفيات ١٥/ ١٨. (٥) وتكتب أيضًا قسطيلية، اسم لعمل البلاد الجريدية، وهي بلاد واسعة ومدن عديدة، ومدينتها العظمى توزر. انظر: الروض المعطار ص ٤٨٠.