للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وخمس مائة ومدة خلافته خمس سنين وستة أشهر وأيامًا.

ثم ابنه:

[١٤] الفائز (١) بنصر الله، أبو القاسم عيسى

وكان لا يخبُّ إلى غاية قلوصًا (٢) ولا عيسًا، لا يُجرح به ولا يوسى، ولا يزجر بطير سعودًا ولا نحوسا، وبويع بعد أبيه، فطلب الوزير عباس بن تميم قاتله، وَسَنَّ شفاره وقصد مقاتله، فهرب قدامه، فقتله الفرنج، وطلب النجاة فلم ينج، واستوزر الفائز أبا الغارات طلائع بن رزيك، وخاطبه بالتمليك وسماه الملك الصالح، وأنزله منه بمكانة لا يؤثر فيها قدح القادح وكان له اسم الملك، وهو الملك الحائز، وله لا لأمره الأمر الجائز، والغنى والغناء وسواه الفائز، وكان الفائز معه كالظل كيفما مشى يتبعه، وكالجليس مهما قال يسمعه، أطوع له من الشرك، وأسرع من فيه الظبي في الإشراك وكان ابن رزيك من أجل وزراء تلك الدولة، وأسبغهم إنعاما، لا يقصر طوله، وكان عارفًا بالأدب مكرمًا لأهله، مُنْعِمًا عليهم بفائض سجله، وله شعر لا يؤخر جواد قريحته، ولا يشم دخان الند (٣) إلا من ريحته، ولا تتفجر المعاني إلا من فجر صبيحته، ولا تصاب المفاصل إلا بصقال صفيحته، ووفد في زمانه الفقيه عمارة اليماني (٤)، ونوله ما يرتجيه من غاية الأماني، وفيه يقول: [من الطويل]

دعو كل برق شمتم غير بارقٍ … يَلُوحُ على الفسطاط بارق نشره

وزوروا المقام الصالحي فكل مَنْ … على الأرض ينسى ذكره عند ذكره

ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغنى … فتجنوا على مجد المقام وفخرِهِ

ولكن سلوا منه العُلى تظفروا بها … فكلّ امرئ يرجى على قدر قدره


(١) انظر ترجمته في: كامل ابن الأثير ٩/ ٩٨ وأبو الفدا ٣/ ٣٩ وابن الوردي ٢/ ٦٢ وخطط المقريزي ٢/ ٣٦ والنجوم الزاهرة ٥/ ٣٠٦ وابن سعيد: ص ٩٢، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٠٥.
(٢) الخبب: نوع من المشي والقلوص: الناقة القوية المجتمعة.
(٣) الند: ضرب من الطيب يتبخر به.
(٤) عمارة بن علي بن زيدان الحكمي المذحجي، فقيه، شاعر، مؤرخ من أهل اليمن، قدم إلى مصر برسالة من القاسم بن هشام أمير مكة إلى الفائز الفاطمي سنة ٥٥٠ هـ، فأكرمه الفاطميون، فأقام عندهم ومدحهم ولما دالت دولتهم على يد صلاح الدين الأيوبي رثاهم بقصيدة مؤثرة، واتهمه صلاح الدين بالعمل على الفتك به، فقبض عليه مع جماعة وقتلهم وصلبهم بالقاهرة سنة ٥٦٩ هـ، له ديوان.
انظر: ابن خلكان ٣/ ٤٣١، صبح الأعشى ٣/ ٥٣٢، مفرج القلوب ١/ ٢١٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>