ويُسمع مبلغ صوته، ويذكر (١) فيها ما فتح من البلاد التي ملك، وقدح بسنابك جياده في كلّ ما سَلَكَ. فأجابه الصولي (٢) بقصيدة على وزنها ورويها، بصر بحسنها وريها، وصبّر القائم على منافذ طعانها ومآخذ لعانها، وكان منها قوله:[من الطويل]
ولو كانت الدنيا مثالًا لطائر … لكان لكم منها بما حزتم الذُّنَبا
وسيأتي ذكر هذا البيت في موضعه من الانصاف بين المشرق والمغرب، فحرك هذا همة القائم بالله على قصد جهة المشرق، لعله وقال: والله لا أزال حتى أملك صدر الطائر ورأسه إن قدرت، وإلا أهلك دونه، فكابد على مصر من الحروب أهوالًا، وجاهد فيها رأيه وأنْفَقَ أموالًا، ومات ولم يظفر بحضرتها، ولا افتات طرفه بنظرتها، مع كونه عاثَ في أطرافها، وعام في بحرها العباب وما التحف بطرافها.
حكى مؤلف الكنوز: أنه اشتدّ حزنه على موت أبيه، وأقام مدة يُخفيه ولم يرق بعده سريرًا (٣)، ولا ركب من قصره مذ صار إليه الأمر إلا مرتين، مرة صلّى على جنازة ومرّةً صلى بالناس العيد، وبدأ أمره بأن أمَرَ عماله بعمل السلاح والاستعداد للقاء، وجهز بعوثه إلى بلاد فاس، وما حولها من بلاد المغرب فدوّخها. ومولده بسلمية سنة ثمان ومائتين، وبويع يوم (وفاة)(٤) أبيه، وتوفي يوم الأحد ثالث عشر شوال سنة أربع وثلاثين وثلثمائة، وكانت خلافته اثني عشرة سنة وسبعة أشهر.
ثم ابنه:
[٤] المنصور بالله، أبو الطاهر إسماعيل (٥)
وكان قد أوصى إليه أبوه بقصد مصر، واستضافتها، وإعداد القراع لقرى إضافتها، فشغلته الفتن بإفريقية، واستأصلت لولا عوارضها المستبقية، فإنها
(١) انظر: خطط المقريزي ٢/ ٢٤ ونهاية الأرب ٢٨/ ١١٥ وكامل ابن الأثير ٦/ ٢٣٨ وابن خلكان ٢/ ٢٧ وسير أعلام النبلاء (الطبعة ١٣) والنجوم الزاهرة ٣/ ٢٨٧ واتعاظ الحنفا ١/ ٧٤. (٢) أبو بكر بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس بن محمد بن صون تكين المعروف بالصولي الشطرنجي، الأديب الأخباري، المصنف، له أدب الكتاب تشر بمصر سنة ١٣٤١ هـ والأوراق نشر بعضه المستشرق هيوارث دن، خرج من بغداد وتوفي مستترًا سنة ٣٣٥ هـ. (٣) في الأصل: شهرا وهو تصحيف، وقد وردت عبارة: (ولم يرق سريرًا) في نهاية الأرب ١٨/ ١١٥. (٤) زيادة يقتضيها السياق. (٥) وفيات الأعيان/ ٢٣٤، اتعاظ الحنفا ١٢٦ الدرة المضيئة ١١٦، تاريخ ابن خلدون ٤/ ٤٧، خطط المقريزي ٢/ ٢٥ ونهاية الأرب ٢٨/ ١١٧ وكامل ابن الاثير ٦/ ٣١٧ والبيان المغرب ٣/ ٢١٨.