للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقلت لها: أنا رجل فقير، وهؤلاء الأشراف لا يطاقون وأخاف أن ينكسر الطيلسان في قلعه، ولا نصيب شيئًا فاتعجل الغرامة، ومنعتها منه بكل حيلة، ثم رأت المنام بعينه مرةً أخرى، وجريت على العادة في الامتناع، ثم رأت المنام ثالثًا، وكأنه يقول لها: أنتم محرومون، وما مضت أيام يسيرة حتى أحرقت مصر، فما شعرت إلاّ وجماعة كبيرة من السودان قد هجموا الدار، وقصدوا البادهنج فقلعوا الطيلسان واستخرجوا من تحته سماوية نحاس يكون فيها قدر مائة ألف دينار، فأغمي علي وكدت أقتل نفسي غيظًا لما فاتني من الغنى، وسألتهم أن يعطوني ولو مائة دينار فما فعلوا، وخرجوا كأنهم دخلوا دارهم، وأخذوا مالهم.

وقال ابن مماتي: ومن غريب ما جرى في حريق مصر أن رجُلًا عَمد إلى برنية (١) الصبر فجعل فيها ألف دينار ليسلم من الريب، فما لبث أن هجم الغوغاء عليه بيته، فلم يكن له هم إلا النجاة بنفسه، فتحامل إلى باب زويلة (٢)، فبينما هو قاعد يستريح وإذا ببعض من كان هجم عليه ومعه برنية الصبر، فاشتراها منه بدرهمين، ثم ذهب فاستخرج منها الذهب، واشترى به جميع ما أخذ له، ولم يزل يضارب فيه حتى نمى وارتزق به.

وقال ابن مماتي: حدثني القاضي الفاضل، قال: كان من أهل مصر رجل وله ابنة مستحسنة، فلما أحرقت مصر ونُهبت أموال أهلها، خرج إلى البر الغربي، وسكن في بعض الضياع، وقعد في حانوت واتفق لنائب القطع أن رأى الابنة، فهويها وتعلق قلبه بها، فضيّق عليها، وتعرض لها، فما ظفر بمقصوده، وخطبها من أبيها فما رضى أن يكون زوجًا لها، فتسلّط عليه وقصده وآذاه، ولم يزل يدقق عليه الحيل إلى أن كتب عليه وثيقة بعشرة دنانير إلى أجل مسمى، وقدَّر أنها تتعذر عليه، فيجد السبيل إلى أخذ البنت. قال: فلما كان في اليوم الذي يجب عليه فيه المبلغ وقد أيس الرجل من نفسه، وأيْقَنَ بالشرّ جاء إليه شاب فاشترى منه بدرهم عسلًا، وانثنى عنه، فسقطت منه خرقة مشدودة، فأخذها وحلّها فوجد فيها عشرة دنابير، فأخفاها معه، وقال: أخلص بها نفسي من هذا الظالم، واجتهد في تحصيل العوض وإيصاله إلى صاحبها، فما كان غير ساعة حتى حضر عليه الخصم وطالبه ورفعه إلى القاضي، فأعطاه العشرة دنانير التي وَجَدَها، وأخذَ الشهادة عليه بها، وعاد إلى حانوته، وقد كفاه الله ما كان


(١) البرنية: إناء واسع الفم من الخزف أو زجاج ثخين.
(٢) باب زويلة: زويلة محلة بالقاهرة (ياقوت - زويلة).

<<  <  ج: ص:  >  >>