نور الهدى ومصابيح الدجى ومحل … الغيث إن ونت الأنواء في المحل
أئمةٌ خلقوا نورًا فنورهم … من نور خالص نور الله لم يفل
والله لا زلت عن حبي لهم أبدًا … ما أخر الله لي في مدة الأجل
وذكر ابن الأثير (١): أنه لما اشتد مرض العاضد أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه ليوصيه، فظنّ إن ذلك خديعة فلم يمض إليه، فلما توفي علم صدقه فندم عليه وعلى تخلفه عنه.
وحكى مؤلف الروضتين قال: اجتمع بي الأمير أبو الفتوح بن العاضد وهو محبوس مقيد سنة ثمان وعشرين وستمائة، فأخبرني أبو الفتوح قال: أن أبي لما مرض استدعى صلاح الدين فحضر، ثم جمعنا وأحضرنا، يعني أولاده ونحن صغار، فأوصاه بنا فأكرم إكرامنا واحترامنا (٢).
قال قاضي القضاة جمال الدين محمد بن واصل: لما جرى لمؤتمن الخلافة ما جرى وقتل (٣)، وكل صلاح الدين بالقصر قراقوش الأسدي (٤)، وجعله بزمام القصر مقامه، فرتب في القصر، فما كان يدخل إلى القصر شيء ويخرج إلا بمرأى منه ومسمع، فضاق خناق أهل القصر بسببه، فلما مات العاضد عرض صلاح الدين من بالقصر من الجواري والعبيد والعدد والآلات والذخائر النفيسة، فأطلق من ثبتت حريته، وَوَهَب الباقي وأخلى الدور، وأغلق القصر، وأخذ ما صلح له ولأهله وأمرائه وخواص مماليكه وأصحابه من نفائس الذخائر والجواهر والملابس، ومن جملة ذلك الدرة اليتيمة والياقوتة الغالية القيمة، والمصوغات العنبرية والأواني الفضية والصواني الصينية والمنسوجات المغربية، والممزوجات الذهبية وغير ذلك مما لم يقع عليه الإحصاء، وأسرف في العطاء والبذل وأطلق البيع بعد ذلك فما دون ذلك، واستمر البيع مدة عشر سنين، وكانت خزانة الكتب تزيد على مائة ألف وعشرين ألف مجلدة
(١) الكامل في التاريخ ٩/ ١١٢. (٢) كذا في الأصل. (٣) مؤتمن الخلافة جوهر، كان إليه زمام قصور الفاطميين، كاتب الإفرنج يستنصرهم على صلاح الدين بعدما شرع في نقض اقطاع المصريين، فقتله صلاح الدين سنة ٥٦٤ هـ ورتب على ازمة القصور قراقوش الأسدي. انظر: اتعاظ الحنفا ٣/ ٣١٢ والروضتين ١/ ٤٥٠ وكامل ابن الأثير ٩/ ١١١. (٤) قراقوش الأسدي: الخرصي، من مماليك أسد الدين شيركوه، أبو سعيد بهاء الدين خدم صلاح الدين وناب عنه في الديار المصرية، وبنى السور المحيط بالقاهرة وقلعة الجبل والقناطر التي بالجيزة على طريق الأهرام، وولاه صلاح الدين على عكا بعد أخذها من الإفرنج، ثم عادوا وأخذوها فأسروه فافتداه صلاح الدين بعشرة آلاف دينار، توفي بالقاهرة سنة ٥٩٧ هـ. انظر: ذيل الروضتين، النجوم الزاهرة ٦/ ١٧٦ وكامل ابن الأثير ٩/ ١١١ ووفيات الأعيان ٤/ ٩١.