للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وقيل: «أن» في موضع نصبٍ بدلًا من قوله: ﴿مَا حَرَّمَ﴾، ولا يصحُّ ذلك إلا إن كانت «لا» زائدةً، وإن لم تكن زائدةً فسَد المعنى؛ لأن الذي حرم على ذلك يكون تركُ الإشراك.

والأحسن عندي: أن تكون «أن» مصدرية في موضع نصب على البدل و «لا» نافية، ولا يلزم ما ذُكِر من فساد المعنى؛ لأن قوله: ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ معناه: ما وصَّاكم به ربكم؛ بدليل قوله في آخر الآية: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ﴾ فضمَّن التحريم معنى الوصية، والوصية في المعنى أعمُّ من التحريم؛ لأن الوصية تكون بتحريم وبتحليل ووجوب وندب، ولا يُنكَر أن يريد بالتحريم الوصية؛ لأن العرب قد تذكر اللفظ الخاص وتريد به العموم، كما تذكر اللفظ العام وتريد به الخصوص.

فإذ تقرر هذا؛ فتقدير الكلام: قل تعالوا أتل ما وصَّاكم به ربكم، ثم أبدل منه على وجه التفسير له والبيان؛ فقال: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا﴾؛ أي: وصَّاكم أن لا تشركوا به شيئًا، ووصاكم بالإحسان بالوالدين، ووصاكم أن لا تقتلوا أولادكم، فجمعت الوصيةُ تركَ الإشراك وفعل الإحسان بالوالدين وما بعد ذلك.

ويؤيد هذا التأويل الذي تأوَّلنا: أن الآيات اشتملت على أوامر؛ كالإحسان بالوالدين، وقول العدل، والوفاء في الوزن، وعلى نواهي؛ كالإشراك، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، فلا بد أن يكون اللفظ المقدَّم في أولها لفظًا يجمع الأوامر والنواهي؛ لأنها أُجمِلت فيه، ثم فُسِّرت بعد ذلك، ويصلح لذلك لفظ الوصية؛ لأنه جامع للأمر والنهي، فلذلك

<<  <  ج: ص:  >  >>